الشعبوية ومخاطرها على الدول والمجتمعات

الشعبوية  (Populism) هي تلك الفكرة التي تقوم على دغدغة عواطف أكثر الناس والتأثير في مشاعرهم بخطاب موجه إليهم مباشرة ويدعي تمثيلهم والنطق باسمهم.

والخطاب الشعبوي هو خطاب مبهم عاطفي لا يعتمد على الأفكار والرؤى بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر ليتماشى تماما أويتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صناع الخطاب السياسي ليبدو على أنه سائد من دون أن يفيدمن ناحية أخرى في التعامل الجدي والمسؤول مع المشاكل الواقعية.

ويُكثر الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الأحلام وتبسيط الأمور في شكل مسرحي مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلة أيدلوجية .

والشعبويون ليسوا كتلة متجانسة أو رأيا سياسيا واحدا أو منطلقات فكرية واحدة، بل هم يتوزعون على أطياف مختلفة ومتباعدة لدرجة التناقض، ومنهم اليمينيون واليساريون والاشتراكيون والعلمانيون .لكن يجمعهم أمور كثيرة منها:

١-الخطاب الذي يزعم التمثيل الحقيقي للشعب وما عداهم أعداء الشعب وخصوم الحق والحقيقة.

٢-معارضة ما هو قائم من سياسات ومؤسسات

٣-تبسيط السياسة واستدعاء التراث والرموز التاريخية  وإيمانها بزعامة مطلقة للقائد الملهم والمصلح وحشدها الجموع كمصدر للقوة وخطاب يستبعد أية حلول وسطية

٤-رفضها التعددية والاعتراف بالآخر وشيطنة المعارضة

٥-القمع الممنهج للفكرة والسياسة المعارضة سواء عبر أيدلوجيا أو الضخ الإعلامي أم عبر القمع السياسي والبوليسي.

عندما تولى الشعبيون مناصب قيادية في الدول الديمقراطية كانوا مسؤولين عن الانتكاسات الديمقراطية والمعروفة أيضا بـ ( التدهور الديمقراطي) إذ عرقلوا المؤسسات المستقلة كوسائل الإعلام أو القضاء والتي يرونها معادية لإرادة الشعب كحالة أمريكا والصومال في عهدي ترامب وفرماجو

وتعتبر الشعبوية من أهم أدوات تضليل البشر ومن أهم أدوات القهر إذ يسعى الشعبويون من خلالها التلاعب بعقول الشعب وتسويق الأوهام قصد تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، فتضليل الجماهير يمثل للشعبويين من أهم أداة للحفاظ على السيطرة الاجتماعية ويؤدي ذلك إلى عملية تحويل بارعة لأفكار الناس وآرائهم والتأثير على سلوكهم وإقناعهم برفض كل ماهو قائم وتضخيم القهر الاجتماعي ونشر النزعة التشاؤمية كمدخل للعنف السياسي وبث حالة من عدم الثقة والشك فى المؤسسات والكفاءات والإمكانيات واستبعاد أي صورة للتقدم أو الخلاص خارج آرائهم وأطروحاتهم فتزدهر سوق الشعارات الرنانة غير القابلة للتطبيق والتصريحات والإعلانات وبدلا من التركيز على المشاكل الحقيقية والواقعية للمجتمع والانكباب على معالجتها توجه العقول إلى مسائل هامشية وتنشط صناعة استطلاعات الرأي لتدفع أحيانا بهذا الطريق وأخرى بذاك ولتزيد من احتدام الصراع والتشويق في المشهد السياسي.

أما السياسي الذي يوظف الشعبوية فهو يعلم أنها من أقصر الطرق إلى تحقيق شعبية واسعة أو حتى للوصول إلى السلطة، فالدهماء في كل المجتمعات نسبة كبيرة لا يستهان بهم وهم الذين يكتوون بنار الشعبوية التي نهضوا بها على ظهورهم وينتهى أمرهم ضحية لكوارث تحل بهم ولحكم ديكتاتوري مطلق.

تاريخ الشعبوية

وكان القرن التاسع عشر الميلادي هو عصر ولادة مصطلح الشعبوية وكان أول ظهور لها في الدول الغربية حيث ظهر هتلر في ألمانيا وموسليني في إيطاليا وستالين في الاتحاد السوفييتي، وهؤلاء انطلقوا من أوساط شعبية متواضعة، وصعدوا إلى السلطة اعتمادا على العنف السياسي والخطاب الشعبوي ثم انطفأت نار الشعبوية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لتزدهر في معظم دول العالم الثالث التي كانت بحاجة إلى خطاب عاطفي بغية حشد الجماهير في معارك من أجل الوطن والاستقلال عن المستعر لتستمر ما بعد الاحتلال، فظهر في مصر جمال عبد الناصر أكبر زعيم شعبوي عرفته العرب والقارة الأفريقية ليتسبب أكبر كارثة لوطنه وللعالم الإسلامي حيث أضاع فلسطين ونصف مصر، ومات والاحتلال الإسرائيلي داخل مصر، وصدام حسين في العراق، وحافظ الأسد في سوريا، ومعمر القذافي في ليبيا، وهؤلاء كانوا مسؤولين عن معاناة شعوبهم بل وسقوط دولهم.

أما عام ٢٠١٦ م فكان عام الشعبوية بامتياز فقد ضرب في العالم موجة من الشعبوية وبدأت مرة أخرى في الغرب، وصعد السلطة من من خلال صناديق الاقتراع إلى البرلمان وإلى سدة الحكم وعن طريق خطاب شعبوي دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الذي أثبت أن الشعبوية تملك وجودا حقيقيا في أمريكا في القرن الواحد والعشرين وهي أكبر دولة في العالم تقدما فكريا وتكنولوجيا، وها هي دولة ديمقراطيىة عريقة أخرى هي بريطانيا تأتي بزعيم شعبوي آخر وهوبوريس جونسون الذي لا يقل ضحالة وخفة عن ترامب ولكنه مثله يعرف كيف يلعب على عواطف الناس وإثارة مخاوفهم ولا ننسى  أيضا ماري لوبين الفرنسية، وخير تفيلرزالهولندي. وهوغوشافيز الفنزويلي .

أما أفريقيا فقد وجدت حظها من الشعبوية حيث تولى السلطة في تونس قيس سعيد، وفي الصومال محمد عبد الله فرماجو.

قيس سعيد ومحمد عبد الله فرماجو

تولى محمد عبد الله فرماجو السلطة ٨ فبراير ٢٠١٧م، عبر انتخاب غير مباشر وعن طريق البرلمان، وكان رجلا  قليل الكلام غير فصيح ولا مفوّه، اشتهر بزلات لسان كارثية، فلا يكاد يلقي خطابا أو يجري لقاء إعلاميا حتى يتلقف الناس تلك الهفوات ويطلقون حملات للسخرية منه، وأما أفعاله فهي أكثر كارثية من كلامه وقبل مرور سنة من حكمه بدأ بتقسيم المجتمع وتصنيف الناس ووصف المعارضة بالسياسين الغاضبين، وحاول إنشاء دولة بوليسية تتنهج العنف والإرهاب لا تحترم الدستور والقوانين فهاجم  بعض الولايات التى تعارض نهجه وأسقط بعض حكامها، وجمع السلطات الثلاثة بيده وألغي دور البرلمان، حتى أدخل البلد في حالة من عدم الاستقرار السياسي والفوضى والتيه  الذي لا يعرف له مخرجا.

وهكذا قسم المجتمع وأحيا النعرات القبلية حتى كاد أن يشعل الحرب الأهلية مرة ثانية  لتمديد فترة الرئاسة ورفضه الانتخابات وتداول السلطة مما أدى إلى حمل السلاح وإجباره على إجراء الانتخابات وتنحيه عن السلطة .

أما قيس سعيد فقدجاء عبر انتخاب شعبي مباشر لكنه على نقيض فرماجو حيث كان أستاذا جامعيا مفوها يقدر أن يتصرف في وجوه الكلام متشدقا به متكلفا بالفصاحة يحاول دائما أن يظهر مظهر المثقف الذي يملك الحل السحري للأزمات التي تمربها بلده وهو الذي افتعل بعضها . وبسبب كلامه المعسول ومجيئه خارج الأحزاب السياسية التقليدية انخدع الناس فيه والتفوا حوله حتى انتخبوه رئيسا للبلاد، لكن ما إن تمكن من السلطة حتى بدأ بنسج المؤامرات وإثارة الشقاق والخلاف بين مؤسسات الدولة  وفي النهاية استحوذ كل السلطات بيده وألغى البرلمان والدستور وصنع دولة على مقياسه .

لايمكن أن تأتي الشعبوية بخير أينما وجدت أو حلت بل هي الفجوة التى يتسلل منها الطغيان والجهل والكوارث، وهكذا الشعبوي ونفى كل مكان يتواجدون فيه مسؤولون عن انتكاسات لدولهم ومجتمعاتهم ويتحولون إلى دكتاتوريين المنتخبين يحكمون بالحديد والنار.

أما الجماهير التي تنساق مع خداعهم فماهي في نظرهم إلا جسدا يعتاشون كالطفيليات

بقلم: شافعي معلم أحمد

تنبيه: الآراء والمقالات المنشورة في قسم “آراء ومقالات”، ليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها.

محرر الأخبار

Read Previous

التعليم العالي في الصومال .. وفرة في الخرّيجين وندرة في فرص العمل بالسوق

Read Next

العمليات العسكرية في المناطق الوسطى الصومالية .. وسياسة الأرض المحروقة!

Send this to a friend