يُعتبر القطاع التعليمي في الصومال -على علّاته- من القطاعات التي انتعشت بجهود فردية واجتماعية خلال مرحلة الانهيار التام في الصومال، إذ حمل متطوّعون على عاتقهم مسؤولية إنقاذ الناشئة وتربية الأجيال القادمة على طلب العلم والمعرفة والثقافة الواسعة.
ومع الانتشار الواسع للمدارس الأساسية والثانوية في ربوع البلاد، ظهرت الحاجة إلى التعليم الجامعي، فبزغ فجر الجامعات الأهلية بمقديشو في أواخر تسعينات القرن الماضي، ليشع نورا وأملا في نفوس العديد ممن تقطعت أمامهم سبل مواصلة التعليم العالي بسبب الظروف القاهرة التي مرت بالبلاد عقب انهيار الحكم العسكري بقيادة الجنرال محمد سياد برّي ودخولها مرحلة من الاقتتال الدّاخلي والحرب الأهلية المدمرة.
وبمرور الزمن، ارتفع الوعي التعليمي في البلاد، وكثرت أعداد الخريجين من المدارس الثانوية، ونتيجة لذلك، ظهرت العديد من الجامعات في مختلف مدن البلاد ومحافظاتها، مما مثّل فرصة ثمينة للخرّيجين من المدارس الثانوية الّذين كانت تنحصر خياراتهم إما في الذهاب إلى الخارج للالتحاق بجامعات العالم أو البقاء في البلاد على شكل من الأشكال الذي تسمحه ظروف العيش في بلد متخلّف أمنيا واقتصاديا وسياسيا وتعليميا!
إن ازدياد عدد المدارس الثانوية ساهم في نشأة العديد من الجامعات الأهلية داخل البلاد، تلبية لاحتياجات الخريجين من هذه الثانويات، وبالتالي أدى ذلك إلى ازدياد عدد الخرّيجين من الجامعات على الرغم من انحسار فرص العمل داخل البلاد ومحدوديتها.
في أحدث دراسة علمية، أجرتها مؤسسة إفتن الصومالية المعنية بشؤون التعليم، أثبتت أن عدد الخريجين من الجامعات الصومالية يفوق حوالي 20 ألف طالب وطالبة في جنوب وشرق ووسط الصومال.
وذكرت المؤسسة خلال عرضها أمس الأربعاء الـ 31/أغسطس/2022م، لدراسة علمية حول الخريجين والخريجات، أن المؤسسة أجرت دراستها على 57 جامعة صومالية تقع في مدن: مقديشو، بوصاصو، غالكعيو، كسمايو، عذاذو، غوريعيل، بلدويني، جوهر، بيدوة، مركا وأفغويي.
ووفقا للإحصاءات التي قدّمتها المؤسسة، فإن خريجي الجامعات في 2020 من هذه الجامعات يصل إلى 20,250 طالب وطالبة في مختلف الكليات والتخصصات التي توفرها هذه الجامعات، 12,438، منهم ذكور أي حوالي 61,42%، بينما 7,812، منهم إناث، أي ما يعادل 38,58%.
وأشارت الدّراسة إلى أن معظم الخريجين والخريجات تخرّجوا في تخصصات كليات: إدارة الأعمال (المحاسبة، إدارة الموارد البشرية، المالية والبنوك)، التمريض والتوليد، الإدارة العامة، علوم الحاسوب وتقنية المعلومات، في حين ينخفض جدّا عدد الخريجين في تخصصات كليات مثل: الصحافة والإعلام والاتّصال الجماهيري، الحقوق (حقوق الإنسان)، طبّ الأسنان، الجرائم والدّراسات الأمنية!
ولاحظت الدراسة -أيضا- أن الخريجات يكثرن في تخصصات كليات الطب والصحة والتمريض والإدارة مثل: التمريض والولادة (التوليد)، إدارة الأعمال، الصحة العامة، المختبرات الطبية، بينما يزيد عدد الخريجين من البنين في تخصصات كليات مثل: إدارة الأعمال، علوم الحاسوب وتقنية المعلومات، الإدارة العامة، المختبرات الطبية.
وبناء على ذلك فإن الفرص المتوفرة في سوق العمل تظل محدودة بالنسبة لعدد الخرّيجين الهائل، إذ إن هذه العينة التي لا تعني حصرا للخريجين والخريجات في عموم البلاد، طالما هناك جامعات تخرّج كل عام أعدادا هائلة لم تشملها الدّراسة، وبالتالي فإنه يتعين على المعنيين بالقضية القيام على الموازنة بين الخرّيجين والفرص المتوفرة في سوق العمل، وذلك تفاديا لارتفاع تكدّس البطالة في الوسط الشبابي الحاصل على المؤهلات العلمية المناسبة.
إن البطالة المتفشية في أوساط الشباب الصومالي من التّحدّيات التي تواجهها الحكومة الجديدة، كما أنها من إحدى العقبات الكبرى أمام تحقيق تنمية اقتصادية شاملة في البلاد، ولذا يجب على الجميع القيام بإيجاد حل ناجع لهذه المعضلة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية في البلاد!