أعلن جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي أمس الثلاثاء أن أمن الرئيس المنتهية ولايته ورئيس حكومة تصريف الأعمال في خطر، لكون الجهاز قد تلقى معلومات تفيد بأن شخصا خطيرا في حركة الشباب يسمى محمد ماهر، يخطط لتنفيذ هجوم يهدف اغتيال كلّ من الرئيس المنتهية ولايته محمد فرماجو ورئيس الوزراء محمد حسين روبلي.
ولم يضف جهاز المخابرات تفاصيل أوفى حول ملابسات هذا المخطّط ومنفذه محمد ماهر الّذي لا يُعرف عنه الكثير، حيث إنه ليس من قادة حركة الشباب المعروفين أو المتصدّرين إلى وسائل الإعلام، وغاية ما يمكن التعرّف منه لا يتعدّى من احتمالية أن اسمه قد يتوافق مع الاسمين الأخيرين لقيادي انشق عن حركة الشباب في 2019م، وانضم إلى جهاز المخابرات في 2020م، دون أن يستكمل الخطوات اللازمة لهذا الإجراء وفق ما صرّح به للبي بي سي الضابط الأمني عبدالسلام غوليد النائب السابق لرئيس جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي.
وبعيدا، عن حقيقة هذا الشخص وطبيعة تحذيرات الجهاز الأمني، فإنه مما لا شكّ فيه أن الأوضاع الأمنية في البلاد خطيرة جدا، خاصة، وأن هذه التحذيرات تأتي بعد أيام فقط من إعلان السيد روبلي رئيس الوزراء نفسه لتلقيه بتهديدات أمنية على هاتفه الشخصي، مما يدلّ على خطورة الوضع الأمني، حيث إن رئيس الوزراء الّذي يعدّ من أشد المسؤولين الخاضعين لحراسة أمنية مشدّدة يتشارك فيها مختلف القوات الأمنية والعسكرية والإفريقية، يصل معدّل عددها إلى ما بين 160 و200 عنصر أمني مكلّف بحماية أمن رئيس الوزراء والتصدّي للتهديدات الأمنية التي يواجهها، يستشعر حاليا حالة أمنية غير مستقرة!
وعلى الرّغم من هذه الحراسة الأمنية المشدّدة للمسؤولين الصوماليين، فإن التاريخ السياسي الصومالي الحديث شاهد على محاولات اغتيال للقيادة العليا في البلاد، نشير في هذه السطور إلى أبرز محاولات اغتيال فاشلة استهدفت مسؤولين كبار في السلك الحكومي الصومالي:
1. عبدالرشيد علي شرمأركي:
في الـ 15/أكتوبر/1967م، اغتيل السيد عبدالرشيد علي شرمأركي ثاني رئيس للصومال أثناء زيارته لمدينة لاسعانود في محافظة سول شمال شرق الصومال، وذلك عندما أطلق عليه الرصاص أحد حرّاسه الشخصيين، ولا تزال هذه القضية غير واضحة المعالم حتى بعد مرور أكثر من 50 عاما على الحادث المروّع الّذي أودى بحياة رئيس البلاد آنذاك!

2. علي محمد غيدي:
في الـ 3/مايو/2005م، انفجرت قنبلة يدوية في ملعب مقديشو لكرة القدم (Mogadishu Stadium)، بالعاصمة مقديشو، أثناء كلمة لرئيس الوزراء آنذاك علي محمد غيدي أمام حشد من الناس، مما أسفر حينها عن مقتل حوالي 10 أشخاص، وإصابة 28 آخرين بجروح، فيما نجا رئيس الوزراء من هذه المحاولة ولم يصبه أيّ أذى!
بعد هذه المحاولة بعام تقريبا، أي في الـ 3/يونيو/2006م، نجا السيد علي محمد غيدي من محاولة اغتيال ثانية، عندما فجّر انتحاري نفسه بمقر إقامته في مقديشو، مما أدّى إلى خسائر بشرية ومادية هائلة، حيث تهدمت بعض المباني القريبة من موقع الانفجار، وحمّل رئيس الوزراء مسؤولية هذا التفجير على عاتق جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، لما كان يحمل هذا التفجير -وفق تعبيره- بصمات تنظيم القاعدة!

3. عبدالله يوسف أحمد:
في الـ 17/سبتمبر/2006م، نجا الرئيس الصومالي الأسبق المرحوم عبدالله يوسف أحمد من محاولة اغتيال عندما انفجرت سيارة مفخخة يقودها انتحاري في مدينة بيدوة التي كانت آنذاك مقرّ الحكومة الفيدرالية الانتقالية والعاصمة المؤقّتة للصومال.
تسبب هذا الهجوم وما أعقبه من إطلاق للرصاص بمقتل 7 أشخاص من بينهم شقيق الرئيس الرّاحل عبدالله يوسف أحمد الّذي قُتل في الانفجار.

4. شريف شيخ أحمد
في الـ 29/مايو/2012م، تعرّض موكب الرّئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد لكمينين في محيط منطقة عَلَمَذَا في الطريق بين مقديشو وأفغويي بشبيلي السفلى، وذلك أثناء عودته من زيارة برّية قام بها إلى مدينة أفغويي الواقعة على بُعد حوالي 30 كم جنوب غرب العاصمة مقديشو.
تبنت حركة الشباب مسؤولية هذا الهجوم، وأفاد مكتبها الإعلامي آنذاك بأنّ مقاتليها نفّذوا في ذلك اليوم أكثر من 3 كمائن لموكب الرئيس الصومالي في ذهابه وعودته من مدينة أفغويي، قتلوا خلالها حوالي 20 شخصا ما بين ضباط وجنود من القوات الحكومية والإفريقية.

5. حسن شيخ محمود:
في الـ 12/سبتمبر/2012م، وبعد يومين من انتخاب حسن شيخ محمود رئيسا للصومال، استهدفت سلسلة تفجيرات فندق الجزيرة القريب من مطار آدم عدي الدولي بمقديشو والّذي كان يسكنه آنذاك حسن شيخ ويُجري في تلك اللحظات لقاءً مع سام أوغينر وزير الخارجية الكيني آنذاك، غير أن هذا الهجوم لم يُخلّف خسائر في صفوف المسؤولين الحكوميين حسبما أفادت مصادر إخبارية!

6. عبدالولي محمد علي (غاس):
في الـ 4/أبريل/2012م، نجا السيد عبدالولي محمد علي غاس رئيس الوزراء الصومالي آنذاك من محاولة اغتيال عندما فجّرت انتحارية بين الحضور نفسها، – حسب نتائج التحقيقات- أثناء إلقاء رئيس الوزراء خطابا في مناسبة أقيمت بالمسرح الوطني الكبير بمقديشو احتفالا بالذكرى الأولى لإعادة تشغيل التلفزيون الوطني الصومالي.
أسفر عن هذا الهجوم مقتل أكثر من 10 أشخاص، منهم النائب موليد معاني محمود، وفيصل حاج علمي مستشار رئيس الوزراء حينئذ عبدالولي محمد علي غاس.

وبناء على ما سبق وانطلاقا من هذا السرد التاريخي لمحاولات اغتيال قادة الحكومات الصومالية في مختلف الأماكن والأزمنة، بالإضافة إلى التهديدات الأمنية المستجدّة، يرى خبراء أمنيون -على الرّغم من اختلاف تفسيراتهم حول تحذيرات جهاز الأمن الأخيرة- خطورة الوضع الأمني وإمكانية اختراق الأجهزة الأمنية للوصول إلى المسؤولين كما حدث في حادثة اغتيال المهندس عبدالرحمن عمر يريسو رئيس بلدية مقديشو وعمدة العاصمة الّذي توفي في الـ 1/أغسطس/2019م، متأثرا بجروح أصابته في تفجير استهدف مقر بلدية مقديشو أثناء الاجتماع الأسبوعي لإدارة محافظة بنادر في الـ 24/يوليو/2019م.

وفيما يتعلّق بالتهديدات الأمنية الحديثة التي يواجهها السيد روبلي، تستبعد سميرة قاعد المسؤول الأمني السابق في مكتب رئيس الوزراء، سهولة الوصول إلى شخص رئيس الوزراء، لكنها لا تستبعد إمكانية استهداف موكبه أثناء مروره لإحدى الطرقات، وفق تصريحاتها لإذاعة البي بي سي حول هذه المستجدّات.
من جانبها، نفت حركة الشباب صحّة ما نشره جهاز المخابرات حول التهديدات الأمنية المستجدّة التي تخطّط فيها الحركة لاستهداف الرئيس ورئيس الوزراء مع تأكيدها على كون قادة الحكومة هدفا ثابتا لها، مما يزيد الشكوك والمخاوف لدى البعض من إمكانية تسييس القضايا الأمنية وتسخيرها لعرقلة العملية الانتخابية التي أشرفت على الانتهاء، وهو ما يتفق عليه معظم السياسيين الّذين أدلوا بتصريحاتهم حول تحذيرات نيسا، وفي مقدّمتهم الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد ورئيس وزرائه الأسبق عمر عبدالرشيد شرمأركي اللّذين أشارا في حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الرسائل الضمنية والسياسية بل حتى الرّسائل الأمنية المسيسة التي يحملها هذا التحذير الصادر من جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي!