آفة الحكم الاستبداد، والاعتزاز بالرأي، والاستئثار بالسلطة، وإقصاء الآخر وقمعه، إذ تفضي كل هذه الأمور والتصرفات إلى ردة فعل عنيفة قد تنسف بأركان حكم أي نظام يتبنى هذه السياسة، حتى وإن أوتي من القوة وأسبابها ما يكفيه لترجمة هذه العقلية السلبية إلى واقع معيشي وتساعده على البقاء في الحكم لفترات طويلة، وما حدث للحكومة العسكرية الصومالية في ١٩٩١م، خير شاهد على ذلك، ودليل كاف لإثبات هذه النظرية ودعمها!
بشعارات وطنية، وكلمات براقة استخدمها أثناء حملته الانتخابية ٢٠١٦م، وصل السيد محمد فرماجو إلى سدة الحكم في ال ٨/فبراير/٢٠١٧م، لكنه، ما إن وصل إلى الحكم حتى غير نبرته، وأدار ظهره، وأبدى للمستبشرين بانتخابه غير الذي أظهره لهم أثناء سعيه إلى الحكم، فأصيب الكثيرون منهم بالإحباط، وتراجعت شعبيته، وانفض عنه المغترون به، متحسرين على ما آلت إليه الأمور، ومتأسين بأن فترة حكمه لا تعدو ٤ سنوات فقط، يستعيينون فيها بالصبر والجلد حتى موعد الانتخابات الرئاسية، فحينها يستطيعون تغييره عبر صناديق الاقتراع!
لكن ازدادت الأوضاع غموضا، والأمور سوءا، عندما انقضت السنوات الأولى من حكمه دون تحريك ساكن إزاء الإعداد لإجراء انتخابات “صوت واحد لشخص واحد”، على الرغم من توقيع الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية في يونيو ٢٠١٨م، على اتفاقية تنص بأن يكون نظام التمثيل النسبي المغلق النظام الانتخابي الذي تتبعه الصومال في انتخابات ٢٠٢٠م، وبدلا من ذلك لاحظ المتابعون إقصاء أي صوت يدعو إلى العمل على إعداد هذا النوع من الانتخابات، وما إقالة البروفسور محمد جواري رئيس مجلس الشعب السابق في البرلمان المنتهية ولايته إلا تجسيدا لإقصاء هذه الأصوات وإبعادها عن المنظومة الحاكمة!
في ال ٢٧/يونيو/٢٠٢٠م، أعلنت حليمة يري رئيسة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام البرلمان عن صعوبة إجراء انتخابات “صوت واحد لشخص واحد” في الموعد المحدد في الاتفاقية السابقة، بل تحتاج اللجنة إلى ١٣ شهرا إضافيا لإجراء هذا النوع من الانتخابات مما بدا للمتابعين وقتها بأنها محاولة غير مباشرة للتمديد الإداري! غير أن مجلس الشيوخ والولايات الإقليمية، والأحزاب السياسية المعارضة رفضت بشكل صريح هذه المحاولة، مما أدى في يوليو ٢٠٢٠م، إلى انعقاد مؤتمر طوسمريب ١ للولايات الإقليمية، والذي تقرر فيه إجراء انتخابات متفق عليها بين الأطراف المعنية بها.
وفي الفترة ما بين ال ١٩ إلى ٢٢/يوليو/٢٠٢٠م، انعقد مؤتمر طوسمريب ٢ الذي اتفق عليه المشاركون على إجراء انتخابات توافقية في موعدها المحدد، إلا أن فرماجو لم يقتنع بنتائج هذا المؤتمر، مما دفعه بطرد رئيس وزرائه في ال ٢٥/يوليو/٢٠٢٠م، بسبب اختلاف وجهة نظرهما إزاء التمديد الإداري، حسبما يقوله المرشح الرئاسي عبدالرحمن عبدالشكور ورسمي في منشور يذكر فيه الخطوات التي اتخذها الرئيس المنتهية ولايته، لتحقيق التمديد الإداري على مدار العامين الماضيين.
في ال ١٢/أبريل/٢٠٢١م، صادق مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي، وبإيعاز من فرماجو على قرار يقضي بتمديد إداري للمؤسسات الحكومية المنتهية ولايتها، مما أوصل البلاد بعد ذلك إلى أحداث ال ٢٥/أبريل الدموية، والتي انقسم فيها الجيش الصومالي إلى مؤيد للتمديد ورافض له، لكن عبدالرحمن عبدالشكور يصف تلك الأحداث بتمرد الجيش الصومالي ورفضه للتمديد الإداري.
ورغم إذعان فرماجو لواقع الأمر وتراجعه عن قرار التمديد، إلا أنه لا ينفك بين الحين والآخر بتجريب أسلوب آخر جديد، عله يسمح له البقاء في الحكم، سواء كان ذلك بتأخير الانتخابات أو كان عبر اختطافها وتزوير نتائجها لصالحه، كما هو الحال في انتخابات مقاعد مجلس الشعب الجارية في كل من مقديشو، بيدوة، وطوسمريب، والتي سادها الكثير من الشكوك والشوائب حول مدى التزامها بالمعايير الانتخابية المتفق عليها في الاتفاقيات السابقة.
يرى متابعون أن محاولات فرماجو للبقاء في السلطة رافقته منذ أول وصوله إلى الحكم، حيث أسس في وقت مبكر من حكمه فرق الدفاع الشعبي أو كتائب الظل التابعة له “XOOGAGA WADANIYIINTA”، التي هي عبارة عن مجموعة من البلطجية التي تروج لأفكاره السياسية وطريقة حكمه، وتمارس التحريض ضد المعارضة السياسية، حتى يصل بها الأمر في كثير من الأحيان الدعوة إلى تصفية قادة المعارضة السياسية وقمعها وتعذيبها لتذعن للأمر الواقع، واعترافا لمجهود هذه المجموعة فقد عين ٢ من قياداتها لمناصب في الدولة أحدهما علي كذيي محمد حاشي محافظ مدينة لوق بمحافظة غيذو، وفرحان غرحن القائم بأعمال السفارة الصومالية في دمشق، اللذان لا يتورعان عن الدعوة الصريحة لقمع المعارضة وتشويه صورتها أمام الرأي العام عبر تصريحات صحفية أو نشر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
كل هذا وغيره، دعا بعض المحللين الوصول إلى نتيجة مفادها أن فرماجو بهذه التصرفات سيفرط بأمن البلاد ويهدد استقراره، فيزعزع بذلك عوامل استمرارية الدولة الصومالية القانونية، خاصة بعد ظهور أنباء تشير إلى بدء تنفيذ خطة استعادة القوات الصومالية المتدربة في إرتيريا تزامنا مع الاضطرابات الناتجة عن خطوات نهب العملية الانتخابية وتزوير نتائجها!
ومما يعزز مخاوف الانفلات الأمني والخوف من انهيار الدولة القانونية الخطوات التي استوردت فيها الحكومة الفيدرالية كميات هائلة من المسيرات التركية التي يعتقد أنها ستستخدم في عمليات إسكات المعارضة وقمعها، لتنجز هذه المسيرات ما عجزت عنه الدبابات التركية إنجازه في أحداث ال ٢٥/أبريل/٢٠٢١م.
إنه في حال إقدام فرماجو على قمع المعارضة السياسية بقوة السلاح، فإنه وبدون شك، سيكون رد المعارضة على حجم الاستفزاز، تماما كما حدث في أبريل ٢٠٢١م، وقد بدأت المعارضة منذ الآن وضع خططها لمواجهة تلك المحاولات، حيث دعا مجلس اتحاد المرشحين إلى مؤتمر وطني تشاوري، رتب له بتشكيل لجنتين أحدهما اللجنة التحضيرية، والثانية وهي المحك هي اللجنة الأمنية التي تتولى الشؤون الأمنية للمؤتمر، في دلالة واضحة إلى أن المجلس لا يثق بالقوات الأمنية التابعة لفرماجو، وهذا مما يزيد المخاوف، وينذر بحدوث اشتباكات مسلحة بين الطرفين فتدخل البلاد بذلك _ لا قدر الله _ في أتون حرب أهلية بسبب ممارسات سياسية خاطئة لتحقيق أغراض شخصية بحتة، فهل يتفرج الشعب على هذا المصير المجهول الذي ينتظره أم يكون له رأي آخر لإنقاذ البلاد، بعيدا عن مصالح الأشخاص وأهوائهم؟