ظهر الجدل السياسي حول الانتخابات البرلمانية والرئاسية الصومالية عندما أعلنت حليمة يري – رئيسة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات- أمام البرلمان الفيدرالي في 27/يونيو/2020م، عدم إمكانية إجراء انتخابات “صوت واحد لشخص واحد” في موعدها المحدد، مما أعقبه من محاولات الرئاسة لدفع البرلمان نحو تقرير نوع الانتخابات التي ستشهدها البلاد في الموسم الانتخابي القادم.
بعد سلسلة من المؤتمرات التشاورية في كل من طوسمريب ومقديشو، وما صاحبها من تقلبات سياسية وتغيّرات هائلة، فإنه قد تم التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق ينص على إجراء انتخابات غير مباشرة لا تختلف كثيرا عن انتخابات 2016م!
أصر الرئيس محمد عبدالله فرماجو على أهمية توسيع الدوائر الانتخابية، وضرورة تحديد مدينتين -على الأقل- في كل ولاية إقليمية لتؤثّر الرئاسة –على الأقل- في النواب المنحدرين من محافظة غيذو، إذ إنّ الرئيس فرماجو لديه توجسات سياسية أورثته مخاوف من عدم حصوله على نواب مؤيدين له ينحدرون من ولايتي بونتلاند وجوبالاند اللتان يمثلهما في السلطة الصومالية، وفقا لنظام المحاصصة القبلية (4,5) لتقاسم السلطة في البلاد، حسبما يراه محللون ومتابعون سياسيون!
ادّعت القوى السياسية المعارضة من أحزاب سياسية ومرشحين للرئاسة أن اللجان الانتخابية التي شكّلها رئيس الوزراء، تضم في صفوفها ضباط في جهاز المخابرات والأمن الوطني، موظفوا الخدمة المدنية، وأنصار الرئيس فرماجو في مواقع التواصل الاجتماعي، مما سبب معارضة قوية لهذه اللجان من قبل مجلس اتحاد المرشحين وبعض قيادات منظمات المجتمع المدني.
وحذّرت هذه القوى السياسية من محاولة التخطيط لإعادة انتخاب الرئيس فرماجو أو اختطاف العملية الانتخابية أو تأجيلها، مما قد يسبب اندلاع حرب أهلية مدمرة!
إن التجاذبات والاضطرابات السياسية الناجمة عن الخطوات التي اتبعتها الحكومة الفيدرالية –حسب المتابعين- لتنفيذ الاتفاقية الأخيرة حول الانتخابات، أدّت إلى سياسة مضطربة وغير مستقرة وصلت إلى الولايات الإقليمية، مما أضعف مستوى التعاون بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية بسبب غياب الثقة وانعدامها.
معركة جوبالاند: صراع قبلي أم قضية وطنية؟

تعبّر إدارة جوبالاند عن قلقها إزاء إدارة الانتخابات البرلمانية في مدينة غربهاري بمحافظة غيذو التابعة لجوبالاند، إذ إن الحكومة الفيدرالية أرسلت إليها قوات حكومية لا تأتمر بقيادة القوات الخاصة بجوبالاند، وشكّلت لها إدارة مستقلة عن جوبالاند تتبع مباشرة للحكومة الفيدرالية، مما يضع علامة استفهام عريضة على تبعية غيذو لولاية جوبالاند المتكونة من جوبا السفلى، جوبا الوسطى، وغيذو.
سيطرت القوات الحكومية – التي تم نقلها إلى المحافظة أوائل مارس 2020م،- على معظم مناطق محافظة غيذو – ما عدا المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب- بعد مواجهات مسلحة دارت بينها وبين قوات تابعة لإدارة جوبالاند.
ويتفرّد الرئيس فرماجو باتّخاذ القرارات المتعلقة بشؤون جوبالاند، وليس هناك جهة أخرى لها حقّ المشاركة أو التفويض بشأن طرق معالجة الأوضاع السياسية المتوترة بين جوبالاند والحكومة الفيدرالية، كما أفادت بذلك مصادر موثوقة في الرئاسة الصومالية.
وقد بدأت ملامح هذه الحقائق تظهر إلى العلن عندما تم سحب الثقة عن رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري الّذي حاول التوسط بين أحمد مذوبي والرّئيس فرماجو!
ويرى محللون أمنيون أن القوات الأجنبية – من إثيوبية وكينية- في محافظة غيذو قد تؤثر سلبا على استقرار المحافظة الواقعة في مثلث الحدود الوهمية بين الدول الثلاث: الصومال، كينيا، وإثيوبيا، إذ إن كينيا تدعم أحمد مذوبي، بينما إثيوبيا تدعم الرئيس فرماجو، فبالتالي، فمن الممكن أن تتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين كينيا وإثيوبيا تحت غطاء تقديم الدعم لإدارة جوبالاند أو للحكومة الفيدرالية المركزية.
اشترطت جوبالاند على تشكيل لجانها الانتخابية بسحب القوات الحكومية من غيذو، وضرورة ضم المحافظة من جديد إلى إدارتها، وإلاّ فلن تشهد جوبالاند انتخابات برلمانية ما لم يتم تنفيذ شروطها!
بونتلاند .. اختلاط الأوراق السياسية والأمنية

في سابقة هي الأولى من نوعها صوّت برلمان ولاية بونتلاند في الـ 4/ديسمبر/2020م – بأغلبية ساحقة – لرفع الحصانة عن 8 من نواب برلمان بونتلاند وطردهم من العمل البرلماني لدورهم التخطيطي لأحداث فوضوية شهدها برلمان الولاية.
ويقول مسؤولون في إدارة بونتلاند إن هؤلاء النواب كانوا على علاقات وطيدة مع مسؤولين في الحكومة الفيدرالية، وكانوا ينسقون معهم إعداد جماعة سياسية ببونتلاند تتضامن مع الرئيس فرماجو!
وعلى الرغم من اعتقاد المحللين الأمنيين بأنه من الصعب اندلاع حرب أهلية بين سكان بونتلاند بسبب متانة نظامها الإداري الممتد لما يزيد عن 20 عاما، إلاّ أن أحداثا شهدتها بونتلاند، كان آخرها الخلافات السياسية بين رئاسة بونتلاند وبرلمانها، أظهرت مدى إمكانية حدوث اضطرابات سياسية في جرووي.
ويرى مسؤولوا ولاية بونتلاند أن الحكومة الفيدرالية هي من تقف وراء الاضطرابات السياسية في بونتلاند، وتنفق عليها المال والجهد لتقويض إدارتها وإضعافها!
غلمذغ وخطط نقل العاصمة من طوسمريب إلى عذاذو

على الرغم من استعراضه السياسي الواسع في مقديشو، إلاّ أن أحمد عبده كاريي رئيس غلمذغ يواجه تحدّيات جمة في ولايته، وهي تحدّيات أكثر من التحديات التي تواجهها الولايات الإقليمية الأخرى، ذلك أن ولاية غلمذغ تمثل أكثر الولايات الإقليمية هشاشة للوضع الأمني وأكثرها معدّلا في تكرر الاشتباكات القبلية المسلحة فيها.
وتفيد معلومات حساسة حصلت عليها شبكة مستقبل الإعلامية، بظهور توجه سياسي يدعو إلى نقل عاصمة الولاية من طوسمريب إلى عذاذو بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في طوسمريب التي باتت على مرمى من نيران حركة الشباب التي شنت قبل أسابيع هجوما على مطار المدينة أثناء مغادرة قورقور، مما أضعف ثقته في المدينة وزاد مخاوفه منها.
ليس الهاجس الأمني وحده، هو ما يؤرّق رئيس غلمذغ أحمد قورقور، بل هناك تحرّكات سياسية تهدف إلى إعداد مشروع لعزل الرئيس قورقور، يحضّره في مقديشو بعض المرشحين الرئاسيين المنحدرين من ولاية غلمذغ والمعارضين لسياسات قورقور الموالية للحكومة الفيدرالية.
وأما مدينة غالكعيو أحد المدن المحدّدة كدوائر انتخابية في الموسم الانتخابي 2020/2021م، فقد تشهد هي الأخرى توتّرات سياسية حول الانتخابات القادمة.
ويبدو أن ولاية غلمذغ تشهد تغيرات سياسية واسعة وسريعة قد تساهم بشكل كبير في تغيير الأوضاع السياسية فيها، إذ إنها كانت من الولايات التي من المفترض أن يجد فيها الرئيس فرماجو أصواتا برلمانية مؤيّدة له في الانتخابات القادمة!
هيرشبيلي: بين غضب سكان بلدويني وتصلّب مواقف رئيسها

تشهد مدينة بلدويني لمدّة تزيد عن الأسبوع، مظاهرات عارمة واحتجاجات شعبية ضدّ الرئيس علي غودلاوي الّذي كان يخطّط لإقامة مراسم تنصيبه في مدينة بلدويني حاضرة محافظة هيران.
ويعود أصل الخلافات السياسية في هيرشبيلي، إلى التعديلات التي طرأت على نظام المحاصصة القبلية لتقاسم السلطة، إذ استحوذت عشيرة معيّنة على رئاسة الولاية وعاصمتها، فانحصرت أمور الولاية في مدينة جوهر التي هي العاصمة والتي ينحدر منها الرئيس الحالي للولاية، مما أثار حفيظة بعض القبائل في هيران، وخاصة، تلك التي كانت تؤمن بأن منصب الرئاسة من حقها السياسي الّذي ضمنها لها نظام المحاصصة القبلية المتعارف عليه في الصومال لتقاسم السلطة والمعروف بـ (4,5).
تواجه مدينة بلدويني إحدى المدن المقررة كدوائر انتخابية أوضاعا سياسية وأمنية صعبة، قد تؤدّي إلى اندلاع حرب أهلية ضروس ما لم تسعى الأطراف إلى حلّ هذه الأزمة، كما يقول مسؤولون منحدرون من المدينة عبّروا استياءهم عن وضعها السياسي المأزوم حاليا.
جنوب غرب الصومال: صلاحيات القوات المسلحة في براوي ودور القوات الإثيوبية فيها

تعيش الدائرتان الانتخابيتان في جنوب غرب الصومال – بيدوة وبراوي- حالة أمنية تسمح لأنصار فرماجو الفوز بأكبر المقاعد البرلمانية المنحدرة من هذه الولاية، غير أن رئيس جنوب غرب الصومال لديه وجهة نظر مغايرة لهذا الاتجاه، كما أفاد بذلك للمستقبل مصادر مطلعة في مكتبه.
ووفقا لما علمته شبكة مستقبل الإعلامية فإن الرئيس لفتاغرين قرّر أن يكون هو صاحب القرار الأخير في انتخابات جنوب غرب الصومال مع احترامه لطلب الرئيس فرماجو، وأبلغ الرئيس فرماجو بقراره هذا، وهو ما يشكل تحدّيا آخر يتطلب من أنصار الرئيس فرماجو حصر جهودهم على تحقيق فوز بالمقاعد البرلمانية في براوي – التي يتواجد فيها قوات مسلحة تابعة لقيادة الجيش مما يسهل لهم التأثير في العمليات الأمنية المصاحبة للانتخابات-، وعدم الانشغال كثيرا بالمقاعد البرلمانية في بيدوة!
وعلى صعيد آخر، فمن المتوقع أن تنسحب القوات الإثيوبية من مدينة بيدوة للمشاركة في عمليات قمع المتمردين في إقليم تيغراي وتعقّبهم، مما سيثير تساؤلات حول كيفية تأثير هذه الخطوة على أنصار الرئيس فرماجو الّذين سيخوضون السباق البرلماني في مدينة بيدوة، كما أن هذه الخطوة قد تزيد من مخاوف اندلاع حرب أهلية في بيدوة بسبب النزاع حول الانتخابات البرلمانية القادمة!
عشائر صوماليلاند والوحدة الصومالية

ليس جديدا على النظام الانتخابي الصومالي، أن يطغى تأثير الرئيس في السلطة على عملية انتخاب ممثلي صوماليلاند في البرلمان الفيدرالي، ذلك أن هذه الانتخابات تجرى في مقديشو بإشراف الحكومة وبتأمين قواتها الأمنية، لكن الجديد في الأمر – هذا الموسم الانتخابي- هو إقصاء الكوادر الشمالية التي كانت عنوانا للوحدة، من مهمّة تشكيل اللجان المنظمة للانتخابات.
ويبدو أن المجموعة التي يقودها رئيس مجلس الشيوخ، والتي تضم نوابا ووزراء كانوا عنوانا للوحدة الصومالية سيغادرون الساحة السياسية الصومالية ليحل محلهم وجوه جديدة من سياسيي المناطق الشمالية وشبابها، مما سيسبب عودة رئيس مجلس الشيوخ وأنصاره إلى صوماليلاند، فيعززون دعوات الانفصال ويدعمونها، وفي ذلك خطر كبير وفشل ذريع لجهود توحيد الصومال من جديد!
الخاتمة
إن جميع ما تقدم من نزاعات محافظة غيذو ذات الطابع القبلي، ودور القوات الإثيوبية والكينية في إذكائها، إلى جانب توتّرات مدينة بلدويني وإصرار الرئيس غودلاوي المدعوم من قبل فرماجو على قراراته، ورفع الحصانة عن بعض نواب بونتلاند الموالين للرئاسة الصومالية، بالإضافة إلى الصراعات القبلية في غلمذغ ومحاولات قورقور لنقل عاصمتها إلى عذاذو، وقرارات لفتاغرين الجديدة، مع محاولات إقصاء كوادر الوحدة الصومالية المنحدرين من صوماليلاند، ليبرر بشكل جدّي دعوات القوى المعارضة المحذرة من انزلاق البلاد مرّة أخرى إلى أتون حرب أهلية مشؤومة!