الدعم القطري للجماعات “الإيديولوجية”: حقيقته وأهدافه

تثير العلاقات القطرية مع كيانات عقدية وفكرية مسلحة، تساؤلات عديدة حول طبيعة هذه العلاقات والهدف منها، ودورها في انكماش فكر هذه الحركات وانتشاره، وكيف يساهم ذلك في التأثير القطري على توجيه السياسات الإقليمية والدولية.

ولا يخفى الاهتمام القطري بمعرفة التفاصيل الدقيقة لهذه الجماعات، حيث يظهر ذلك في تصرفها إزاء تواصلها مع هذه الجماعات وإقامة علاقات معها.

في الصفحتين ما بين الـ ١٦ والـ ١٧ من كتابه، “في طريق الأذى .. من معاقل القاعدة إلى حواضن داعش” للإعلامي المصري الاستقصائي الذي يحمل الجنسية البريطانية يسري فوده، يشير إلى نوع من الولع القطري بالحصول على مزيد من المعلومات حول هذه الجماعات، خاصة حول تنظيم القاعدة، إذ يذكر في ثنايا كتابه، مجمل الحديث الذي دار بينه وبين الأمير القطري في مطعم بلندن، خلال إعداد الأول (فوده) لبرنامجه “سري للغاية”، وذلك بعد لقائه بالعقول المدبرة لهجمات ال ١١/سبتمبر/٢٠٠١م، وكيف أن الأمير القطري آنذاك _حمد بن خليفة آل ثاني_ أبدى استعداده السريع لطلب من سماهم فوده “بالمافيا” المتعلق بدفع مبلغ مالي، مقابل شرائط تتضمن جزءا من مادة التحقيق الذي أجراه الصحفي فوده، ولولا انكشاف أمر هذه “المافيا” لكانت قطر قد دفعت ملايين الدولارات للحصول على مادة إعلامية مسجلة، حسبما يتضح من تناول يسري فوده لهذه القضية في كتابه السابق.

بالإضافة إلى ذلك، أثبتت الوقائع والأحداث التاريخية التي وقعت في عدة مناطق تنشط فيها هذه الجماعات، مدى تقاربها أو التنسيق مع الدولة القطرية التي استطاعت وبالتنسيق مع المخابرات التركية في بعض الأحيان، الإفراج عن رهائن محتجزة لدى بعض هذه الحركات في أراضي الشام والعراق، ولعب دور الوسيط بينها وبين الولايات المتحدة أحيانا كما هو الحال مع طالبان، مما يدل على التوغل القطري في هذه الجماعات.

محليا، بدأ الاهتمام القطري بالصومال مع بزوغ نجم المحاكم الإسلامية في ٢٠٠٦م، عندما دحرت قوات المحاكم المليشيات القبلية التابعة لأمراء الحرب الذين أسسوا “تحالف مكافحة الإرهاب وإعادة السلام“، وقد تجلى هذا الاهتمام بالتغطية الإعلامية القطرية التي حظيتها الصومال خلال هذه الفترة التي كانت تسلط الضوء على تحركات المحاكم الإسلامية العسكرية، وأنشطتها السياسية، وكان يتم فيها استضافة مسؤولين من المحاكم أو موالين لها، في بعض البرامج السياسية التي تبثها قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية المشهورة.

وبما أن وصول الصوماليين في الداخل آنذاك إلى وسيلة إعلام مرئية كقناة الجزيرة لم يكن سهل المتاح للجميع كما هو الحال اليوم، فقد افتتحت قناة الجزيرة محطة إذاعية على موجات الإف إم القصيرة، لإيصال رسالتها إلى الجمهور، إذ كان الراديو حينها أكثر وسيلة إعلام انتشارا في الأوساط الصومالية، فعبر هذه المحطة الإذاعية، كان معظم الصوماليين في مقديشو يتابعون برامج القناة بما فيها تغطيتها المكثفة حول الصومال والمعارك الجارية بين الاحتلال الإثيوبي والمقاومة الصومالية.

وتعليقا على هذا التفكير القطري، يقول السيد عبدالرحمن عبدالشكور زعيم حزب ودجر المعارض والمرشح الرئاسي في إحدى ندواته السياسية والإعلامية: “تشتهر قطر بانتهاج سياسة قائمة على استدراج الجماعات المسلحة وتقريبها، على حساب الحكومات والدول، وهو ما استكشفناه، خلال مسيرتنا الطويلة في مقاومة الاحتلال الإثيوبي، حيث كان الدعم القطري للمقاومة سخيا، غير أنها حرفت البوصلة مرة واحدة عندما اعتلى شريف شيخ أحمد زعيم المقاومة الإسلامية رأس السلطة في الصومال، فقطعت عنا قطر دعمهما، مما أصابنا بالصدمة والمفاجئة…”!

في يونيو ٢٠١٧م، _ يناير ٢٠٢١م، تعرضت قطر لحصار بري وبحري وجوي من قبل٤ دول عربية، ٣ منها خليجية وهي: السعودية، الإمارات، البحرين، والأخرى هي، مصر، وذلك بتهمة دعمها لما يسمى بالحركات الإرهابية والجماعات المتطرفة، الذي دأبت عليه منذ ٢٠ عاما، حسبما قاله السفير السعودي لدى القاهرة في حواره مع “الأهرام”، إبان بدايات المقاطعة الخليجية لقطر.

في منتصف يوليو ٢٠١٩م، وأثناء الحصار المفروض على قطر، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تقريرا حول تسجيل صوتي مسرب كان لمكالمة هاتفية بين السفير القطري في الصومال حسن بن حمزة بن هاشم وخليفة كايد المهندي رجل الأعمال القطري المقرب من الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر، الذي يؤكد للسفير من خلال المكالمة أن الدوحة تقف وراء التفجير الذي حدث في مدينة بوصاصو الساحلية ببونتلاند في ال ١٨/مايو/٢٠١٩م، قائلا: “إن أصدقاء قطر نفذوا الهجوم”، في اعتراف صريح بوجود علاقات قوية بين الدوحة ومن يطلق عليهم “بالمتطرفين في القرن الإفريقي”.

على الرغم من تفنيد كل من الحكومتين الصومالية والقطرية لما جاء في هذا التقرير، إلا أنه أعطى انطباعا جديدا لغالبية الصوماليين تجاه التوغل القطري “المشبوه” في الصومال.

إلى جانب ذلك تلاحق قطر اتهامات بدفع مليارات الدولارات لمسلحين في العراق مقابل الإفراج عن أمراء قطريين محتجزين لدى كل من كتائب حزب الله في العراق وجماعات تابعة لجبهة النصرة فرع القاعدة في سوريا.

في عام ٢٠١٤م، وصفت واشنطن _في تصريح لها عبر منصة معهد واشنطن الإلكترونية_ “دولة قطر بأنها بيئة تسمح بتمويل الجماعات “المتطرفة”، وأن الأفراد في قطر يساعدون في تمويل داعش وغيره من التنظيمات المسلحة”.

ما الهدف من وراء تمويل قطر للجماعات المسلحة؟

قد يكون من أهم أهداف تمويل قطر للجماعات الأيديولوجية العقدية والفكرية المسلحة، استغلال الأوراق السياسية، حيث تهدف الإستراتيجية الأمنية القطرية إلى تقديم الدعم لمجموعة واسعة من المجموعات الإقليمية والدولية من تعزيز مكانتها في الداخل والخارج، وهو عين علاقتها مع حركة “طالبان” مثلا التي استطاعت العودة إلى حكم أفغانستان عن طريق محادثات السلام التي استضافتها قطر على أراضيها، بين الحركة والولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يقول عمرو فاروق الباحث في شؤون الإسلام السياسي أن سعي قطر لتمويل ما يسمى “بالجماعات المتطرفة”، يعود لعدة أسباب، منها: أن النظام القطري يستغل ويستخدم مختلف الأوراق السياسية في محاولة بسط نفوذه سواء داخل المنطقة العربية أو الشرق الأوسط، أو في الداخل الأوروبي” ويقول محللون صوماليون إن هذه الحالة ينطبق وصفها على نوع العلاقات القطرية مع النظام المنتهية ولايته، حيث إن فرماجو الرئيس المنتهية ولايته جاء على أكتاف الدولة القطرية التي مولت بسخاء حملته الانتخابية في ٢٠١٧م، إذ كان مدير حملته الانتخابية فهد ياسين حاج طاهر من الإسلاميين الإعلاميين المقربين من قطر، وكان مدير مكتب قناة الجزيرة في الصومال منذ ٢٠٠٥ وحتى ٢٠١٢م، كما أنه كان عضوا في جماعة الاتحاد الإسلامي العالمي، التي أصبحت فيما بعد تعرف بجماعة “الاعتصام بالكتاب والسنة” بعد مراجعات فكرية وسياسية تخلت فيها الجماعة عن خيار العنف واللجوء إلى قوة السلاح، مما أدى إلى انشطار حركة الاتحاد الأم، وتفرع جماعات عديدة منها، رأت في تخلي الحركة عن مبدأ الجهاد انحرافا عن مسيرة الحركة نحو تأسيس دولة إسلامية على منهاج النبوة، وتمثل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة أحد أبرز هذه الجماعات المنشطرة عن الاتحاد..

قد تهدف قطر من دعمها لهذه الجماعات إلى إبراز نفسها كالدولة الأكثر مشاركة في جهود الوساطة التي تصفها بأنها التزام أخلاقي ووسيلة لاكتساب مزايا إستراتيجية أوسع، غير أنها لم تعلن صراحة حتى الآن دعمها لهذه الجماعات المسلحة.

إن مما لا شك فيه أن قطر مولعة باستكشاف حقيقة هذه الجماعات وإقامة علاقات قوية تستطيع من خلالها التأثير على وضع السياسات الإقليمية والدولية، وتعوض نفسها من النفوذ السياسي والمالي، ما فاتها من المساحة الجغرافية، حيث تعد هذه الدولة من أصغر الدول العربية من حيث المساحة الجغرافية.

المصادر والمراجع:

  1. مستقبل ميديا
  2. يسري فوده، في طريق الأذى من معاقل القاعدة إلى حواضن داعش.
  3. بوابة الأهرام المصرية.
  4. سكاي نيوز عربية
  5. موقع “اليوم السابع” المصري
  6. موقع “حفريات”

محرر الأخبار

Read Previous

بوصاصو: اعتراضات على اقتراح شيوخ العشائر في تسوية الأحداث الأخيرة بالمدينة

Read Next

في الذكرى الثالثة لهجوم مجمع ديوست2 بنيروبي .. معلومات جديدة حول التخطيط له

Send this to a friend