فرماجو وجماعة “الاعتصام” .. تقاطع مصالح مشتركة أم توافق غايات سياسية؟

تعد جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة من أكبر الجماعات الدعوية والحركات الإسلامية في الصومال، وهي امتداد للاتحاد الإسلامي، إذ كانت هذه الجماعة “الاعتصام بالكتاب والسنة” نتيجة اندماج ثنائي بين الاتحاد الإسلامي والتجمع الإسلامي في الشمال، وذلك بعد حل الاتحاد الإسلامي لتحل محله هذه الجماعة التي تأسست في ١٩٩٦م، بعد مراجعات فقهية وسياسية ربما مهدت لتعليق العمل المسلح والتركيز على المجال الدعوي والتعليمي.

من الأهداف المعلنة لهذه الحركة تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، وهو الهدف الذي من أجله جند الاتحاد الجنود وخاض الحروب والمعارك تحت شعار “السعي إلى إعادة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة”.

وتحقيقا لهذا الشعار، بذلت جماعة الاعتصام الغالي والنفيس، حتى وإن تخلت عن الخيار العسكري، في أن يكون لها موطئ قدم في الدوائر الرسمية الحكومية، يمكن أن تؤثر من خلاله على صناع القرار في البلاد، فتوغلت الجماعة في مفاصل الدولة الصومالية الحديثة على مدار سنوات، وذلك عن طريق انضمام منتمين إليها، إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية، فضلا عن محاولات احتكارها للسلطة الدينية، حيث إنه لا يخفى من المتابع أن من يتصدرون اليوم المشهد الديني والسياسي الرسمي في الصومال هم قادة الاعتصام، وإن كان هناك حضور للجماعات الدينية الأخرى.

ولعل اندفاع الحركة نحو المشاركة السياسية للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي، كان نتيجة المراجعات الفكرية حول مواقفها السابقة إزاء العملية السياسية، تلك المواقف التي أنتجت مشاكل عديدة وكيانات متفرعة عنها مثل حركة الشباب _التي يعتقد منتقدو الاعتصام_ بأن جذورها أي الشباب تمتد إلى الاتحاد الإسلامي الاسم السابق لجماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، قبل تعليق الأنشطة الجهادية وإيقاف العمل المسلح والتوجه نحو الدعوة والتعليم!

في فبراير ٢٠١٢م، جاء في البيان الختامي لمؤتمر جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة في هرغيسا: “لا نرى مانعا من المشاركة في العمل السياسي بوصفه وسيلة من وسائل التغيير المعاصرة والمتاحة، ووفق الضوابط الشرعية … والرجوع إلى أهل الفتوى والقرار الإداري بخصوص المشاركة في واقع سياسي معين“.

ومنذ ذلك الحين بدأت الجماعة تتوغل في العمل السياسي شيئا فشيئا حتى ظهر تأثيرها الجلي على الحكم في الصومال خلال السنوات الخمس الأخيرة التي قضى فيها فرماجو رئاسة البلاد، حيث أظهر بعض علماء جماعة الاعتصام سواء في الداخل والخارج ولاءهم لنظام فرماجو، وحملوا على عاتقهم مسؤولية التحذير عن العواقب الوخيمة من الخروج على الحاكم وعصيانه، _ وذلك بالتزامن مع دعوات المعارضة بالخروج إلى مظاهرات سلمية تطالب بإجراء انتخابات حرة ونزيهة_ وشرح المواقف والآراء الفقهية التي تمنع الخروج على الحاكم ما لم يأت كفرا بواحا، بالمقابل ، منح النظام هذه الجماعة امتيازات خاصة ربما لقاء تضامنها معه أو ربما التقاء مصالح الطرفين في المنعطف السياسي الذي تعيشه الصومال حاليا، فمعظم النواب والوزراء والمسؤولين الأمنيين الذين كان لديهم انتماء إلى جماعة الاعتصام ، يقفون اليوم إلى جانب فرماجو سواء كان ذلك في الاستقطاب السياسي داخل المكونات السياسية في النظام القائم أو الدفاع والذود عنه ومحاولة إعادته إلى الحكم من جديد، وذلك بدءا من فهد ياسين حاج طاهر مستشار الرئيس المنتهية ولايته في شؤون الأمن القومي، والشيخ علي محمود حسن علي وجيز أحد مستشاري فرماجو والأمين العام لمجمع علماء الصومال، والشيخ بشير أحمد صلاد رئيس هيئة علماء الصومال، والرئيس الأول لجماعة الاعتصام، مرورا بالوزراء مثل جمال محمد حسين، وعبدالرحمن طيري، ووصولا إلى النائب البرلماني عبدالشكور علي مري الذي أعيد انتخابه عضوا في مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي، وسط رفض واسع من عشيرته التي تؤمن بأن مقعدهم البرلماني هذا قد تم اختطافه من قبل فرماجو وأعوانه لصالح صفيه عبدالشكور علي مري!

ولعل هذا التقارب الملحوظ بين فرماجو وجماعة الاعتصام، جاء ربما نتيجة صفقات سرية مبرمة بين الطرفين، بموجبها قد تنفرد جماعة الاعتصام  بالسلطة الدينية في حين سيكون حزب فرماجو منفردا بالسلطة السياسية، على غرار اتفاق آل سعود وآل الشيخ في المملكة العربية السعودية، مهد الحركات الإسلامية المعاصرة، ثم إن هناك بعض الملامح المشتركة بين عقلية فرماجو الاستبدادية، وطبيعة جماعة الاعتصام “الاتحاد الإسلامي” المتصفة بالشدة والجفاء كما شهد شاهد من أهلها وهو الشيخ الدكتور عمر إيمان أبوبكر رئيس مجلس الشورى في المحاكم الإسلامية الذي قال في الصفحة ال ٧٧ من كتابه “تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال”: “والذي لاحظت على الإخوة في الاتحاد الإسلامي أنه يعوزهم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب في كثير من الأحايين، والتشدد في غير موضعه ومطالبة الجميع بأن يكونوا في أعلى المستويات في المنهج والسلوك … وسبب ذلك في ظني أنهم خلطوا بين السلفية كمنهج يجب التقيد به وبين الأخلاق النجدية من الشدة والجفاء كموطن انطلقت منه السلفية في الآونة الأخيرة، فصارت الثانية منفرة للناس عن الأولى“.

وهو ما لاحظه المرشح الرئاسي عبدالرحمن عبدالشكور زعيم حزب ودجر المعارض، في طريق استكشافه للسر وراء الارتباط الوثيق بين فهد ياسين وفرماجو، ففسر ذلك بأنه راجع إلى تطابق الرؤية للمرجعيات السياسية والعسكرية أو الدينية التي ينتمي كل منهما، ففرماجو القادم من رحم مؤسسة عسكرية تؤمن بالقمع وحمل الناس على فكر أو رأي بعينه وجد فهد ياسين القادم من جماعة إسلامية تتصف بالشدة والغلظة، وهنا اتحدت رؤى الرجلين بقدر ما اتفقت مصالحهما المشتركة في طريقة إدارة الدولة، حسب تعبير عبدالرحمن عبدالشكور ورسمي.

ثم إن محورية علاقات كل منهما بالدولة القطرية، يحتم عليهما توحيد جهودهما، والعمل وفق خطة متفق عليها، ذلك أن قطر، وبعد أحداث ال ١١/سبتمبر٢٠٠١م، وتقلص نفوذ المملكة العربية السعودية في مساعدة الجمعيات الخيرية والحركات الدعوية في العالم الإسلامي، انبرت للتواصل مع الكيانات الإسلامية في مختلف بقاع العالم، ليس فقط في دعمها إنسانيا فقط، وإنما أيضا في التأثير عليها وتوظيفها لأغراض سياسية بحتة ما أمكن لها ذلك سبيلا، إذ إن الاهتمام القطري بالحالة الصومالية بدأ بعد سيطرة المحاكم الإسلامية للعاصمة مقديشو عام ٢٠٠٦م، التي كانت مزيجا من الجماعات الإسلامية الصومالية وأطيافا اجتماعية أخرى، كانت جماعة الاعتصام جزءا أساسيا منها، إن لم تكن أكثرها تأثيرا في صياغة قرارات المحاكم ووضع سياساتها العامة.

في مقال له بعنوان: “أهمية العلاقات العربية الإسلامية الصومالية _ الصومال وقطر نموذجا_“، أسهب الشيخ علي وجيز صاحب المقال ومستشار الرئيس، والمحسوب على جماعة الاعتصام في إشادة الدور القطري في البلاد خلال السنوات ال٥ الماضية، والمتمثل ” بتمويلها لمشاريع تنموية كبيرة مثل بناء شوارع رئيسية، وتوفير دعم مالي لكثير من مؤسسات الدولة التي تقدم خدمات ضرورية للشعب الصومالي في المجالات الأمنية والصحية والتعليمية” حسبما يقوله الشيخ علي وجيز في مقاله المنشور قبل أيام على موقع “قراءات صومالية”، غاضا الطرف بذلك عن الجانب الآخر من الدور القطري “المشبوه” في الصومال، والقائم على المؤامرات وشراء الذمم والأصوات من أجل مصالحها الخاصة حسبما يعتقده منتقدوا الحكومة الفيدرالية من المعارضة وبعض الأحزاب السياسية الأخرى القائمة في البلاد.

ثم إن العامل القبلي لا يخلو من التقارب بين فرماجو وقادة الاعتصام، كما أثبتته الوقائع التاريخية الصومالية، ففي أواسط ٢٠١٢م، وأثناء كتابة الدستور الصومالي الانتقالي انتقد الشيخ محمد عبده أمل طريقة كتابة الدستور لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعدها التشريعية، واصفا تلك الخطوة بالعودة إلى الوراء والابتعاد عن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولن تساهم في حل المعضلة الصومالية! لكن الشيخ أمل نفسه أحد علماء جماعة الاعتصام، من المؤيدين لفرماجو الذي تطبق حكومته الدستور الذي عارضه في بدايات وضعه يوم أن كان شريف شيخ أحمد ذي الخلفية الإسلامية رئيسا انتقاليا للبلاد، مما يدعو إلى الوقوف أمام هذين الموقفين إزاء الدستور الصومال، ليستكشف النقاد أن العامل القبلي هو الذي يحرك الشيخ في التعامل مع الأفراد وأعمالهم، وعلى هذا الأساس عارض شريف شيخ أحمد على كتابة الدستور في عهده، وأيد فرماجو الذي ينتمي إلى عشيرته، على الرغم من تبني حكومته للدستور الذي انتقده الشيخ قبل ٨ سنوات تقريبا!

ومن المفارقات العجيبة أن جماعة الاعتصام “الدينية” تعارض المرشح حسن شيخ محمود الرئيس الصومالي السابق المحسوب على الإسلاميين، وتؤيد في الوقت ذاته الرئيس المنتهية ولايته محمد عبدالله فرماجو ذي التوجهات العلمانية، ولعل ذلك يأتي من منطلق مصالحها السياسية لكن بالتستر على الغطاء الديني الذي يسمحها القدرة على التوغل أكثر في مفاصل الدولة الصومالية، طالما الخلفية الإسلامية لرئيسها ضعيفة جدا.

المصادر والمراجع:

  1. مستقبل ميديا
  2. تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال
  3. قراءات صومالية
  4. أميركان إنتر برايس إنستيتيوت
  5. الجزيرة. نت
  6. قناة هانولاتو على اليوتيوب

محرر الأخبار

Read Previous

كينيا: انتحاري يقتل والديه وأخته في كيسومو

Read Next

مكتب الأمن الوطني: ملجأ لإيواء المتهمين أم مركز للعمليات والخطط الأمنية القومية؟

Send this to a friend