أفادت وسائل إعلام محلية بأنّ وفدا مصريا زار مدينة هرجيسا عاصمة إدارة صوماليلاند الانفصالية، في 16/يوليو/2020م، وأضافت المصادر بأن الوفد المصري الرفيع المستوى كان يتكون من دبلوماسيين وعسكريين مصريين، التقى بهم رئيس صوماليلاند السيد موسى بيحي عبده في القصر الرئاسي بهرجيسا.
وأشارت المصادر الإعلامية إلى أن الطرفين تباحثا خلال لقائهما سبل تعزيز العلاقات فيما بينهما وتطويرها، ورفع مستوى التعاون فيما بينهما، وخاصة، فيما يتعلق بالتعليم والثروة السمكية، كما تم خلال اللقاء طرح فكرة إنشاء قاعدة مصرية في صوماليلاند، حيث قام الوفد المصري بزيارة عدد من المدن الساحلية في صوماليلاند حسب المصادر الإعلامية المطّلعة.
ورغم أن الطرفين لم يقدما معلومات حول اللقاء وما نتج عنه، إلاّ أن المصادر الإعلامية المحلية أكّدت على أن الجانبين اتفقا على فتح مكاتب لرعاية مصالحهما في كل من هرجيسا والقاهرة.

علاقة زيارة الوفد المصري بأزمة سدّ النهضة الإثيوبي:
وتتزامن زيارة الوفد المصري لهرجيسا مع وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر وإثيوبيا توتّرات سياسية بسبب سدّ النهضة الّذي تعتبره مصر انتهاكا صارخا لحقوقها التاريخية في مياه النيل.
كما أن توقيت زيارة الوفد المصري لهرجيسا يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر والصومال برودة وفتورا ليس فقط بسبب أزمة سدّ النهضة التي أعلنت الصومال حيادها فيها، بل إنما أيضا بسبب غياب دور مصري مؤثّر في القضية الصومالية خلال العقود الثلاثة الماضية، رغم قدم العلاقات المصرية الصومالية والممتدة إلى العصور التاريخية القديمة والحديثة، وما فيه من محطات ومواقف نبيلة قدّم كل منهما إلى الآخر طوال تلك الفترة من العلاقات المتينة بينهما، إذ إنه في العصور القديمة كان التبادل التجاري بين الطرفين أحدّ أهم ملامح العلاقات بينهما، بينما في ظلّ الدولة الحديثة كانت مصر من الدول التي اعترفت بالصومال وكان لها –أي مصر- مساهمات في استقلاله، حيث قدم المندوب المصري في المجلس الاستشاري الشهيد محمد كمال الدين صلاح، قدّم حياته قربانا لتحقيق استقلال الصومال، وأرسلت مصر معلمين وبعثات أزهرية لتطوير التعليم الصومالي، وفي المقابل كانت هناك مواقف صومالية مشرفة في الوقوف مع مصر في مواقف متنوعة كاتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، ومشاركة كتيبة صومالية إلى جانب الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973م، وعلى الرغم من كلّ ذلك فقد تقهقر الدور المصري في الصومال وتراجع بشكل كبير إثر انهيار النظام في الصومال، مما جعل الساحة مفتوحة أمام إثيوبيا التي تولّت إدارة الملف الصومالي والتأثير عليه سياسيا واستراتيجيا ودبلوماسيا[1].
كلّ هذا وغيره يبعث على البحث والتّساؤل عن الأهداف والأسباب التي دفعت مصر إلى إرسال مثل هذا الوفد، وفي هذا الوقت بالذات، إلى صوماليلاند الانفصالية والتي تتمتع بعلاقات طيّبة مع إثيوبيا الخصم الحالي لمصر!

الأهداف الخفية لزيارة الوفد المصري:
لعلّ من أهم الأهداف التي بعثت من أجلها مصر هذا الوفد إلى صوماليلاند:
- البحث عن حشد دبلوماسي لعدالة قضيتها فيما يتعلّق بأزمة سدّ النهضة.
- مساومة صوماليلاند على الوقوف إلى جانبها مقابل الاعتراف بها كدولة مستقلة عن الصومال الأم، وهو ما تسعى إليه إدارة صوماليلاند خلال السنوات الثلاثين الماضية.
- رغبة مصر في مزاحمة تركيا في المنطقة، إذ إن تركيا المتوغلة في أفريقيا بشكل عام وفي الصومال بشكل خاص، تشهد علاقتها بمصر السيسي نوعا من التوتر والعداء السياسي الّذي قد يمكن في أيّ وقت أن يتحولّ إلى اصطدام مسلّح بين الجيشين المصري والتركي في ليبيا التي يتواجد فيها وحدات من الجيش التركي لدعم حكومة السراج في ليبيا.
- إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية مصرية في صوماليلاند وتوسيع نفوذها في القرن الأفريقي، غير أن هذا الاحتمال لا يقوم على منطلقات وعلى أسس سياسية وعسكرية قوية، حيث إنه من المعروف أن مصر ترفض فكرة إنشاء قواعد عسكرية لها خارج بلادها، على الرغم من نشر مواقع عربية في وقت سابق اهتمام مصر بإنشاء قواعد عسكرية في كل من جيبوتي وجنوب السودان وإرتريا دون تأكيد رسمي من مصر أو البلدان الأخرى[2].
صوماليلاند أمام خيار صعب:
إنه في حال وافقت صوماليلاند على الاقتراح المصري المتمثل في الدّعم الدبلوماسي لمصر فيما يتعلّق بأزمة سدّ النهضة مقابل الحصول على اعتراف مصري فسيعني ذلك محاولة صوماليلاند للخروج عن عباءة إثيوبيا، وهذا أمر في غاية الصعوبة بالنسبة لهرجيسا، إذ إنّ إثيوبيا كانت توصف بحليف صوماليلاند الانفصالية حتى قبل مجيء آبي أحمد الّذي كوّن علاقات طيبة مع حكومة مقديشو المناهضة لانفصال صوماليلاند، رغم احتفاظه بقدر كبير على علاقات بلاده مع إدارة صوماليلاند، كما أن إثيوبيا تعدّ دولة جارة لصوماليلاند حيث تحدها من جهة الغرب، في حين أن مصر ليس لها حدود برّية ولا بحرية مع صوماليلاند، وبالتالي فإن وقوف صوماليلاند إلى جانب مصر يعني، خسارة حليف قوي لها في المنطقة، ثم إن العلاقات الاجتماعية بين سكان صوماليلاند، وبعض سكّان الإقليم الصومالي في إثيوبيا (أوغادينيا) أقوى بكثير عن العلاقات الاجتماعية بين مصر وصوماليلاند، وهو ما يبدّد احتمالات وقوف صوماليلاند إلى جانب مصر في أزمتها الحالية مع إثيوبيا، إلاّ أن الحصول على اعتراف قد يكون مغريا للسلطات في صوماليلاند، حيث إن الاعتراف هو ما كانت تسعى إليه طيلة السنوات الثلاثين الماضية. لكن الاغترار بتحقيق هذا المطلب عن هذا الطريق يعتبر مجازفة سياسية للسلطات في صوماليلاند!
القاعدة العسكرية المصرية في هرجيسا.. حقيقة واقعية أم مجرّد حرب إعلامية؟
في تقرير أصدرته مجلة (جيوبولتكال فيوجرس Geopolitical Futures) الأمريكية الشهر الماضي جاء فيه بأن مصر تسعى لإقامة قاعدة عسكرية بحرية بصوماليلاند مقابل تبادل مكاتب تمثيلية مع أرض الصومال، أو في أريتريا، على الحدود مع إثيوبيا، فيما لفتت إلى رفض هرجيسا طلب القاهرة.
هذا وقد أقلقت زيارة الوفد المصري لهرجيسا السلطات الإثيوبية حيث أرسلت الأخيرة في اليوم التالي إلى هرجيسا وفدا إثيوبيا رفيع المستوى بقيادة أحمد شدي وزير المالية الإثيوبي[3]. ولم تكتف إثيوبيا بهذا، وإنما أعلن دينا مفتي المتحدّث باسم خارجية إثيوبيا بأن بلاده لا تعترف بإدارة صوماليلاند الانفصالية، وأنها –أي إثيوبيا- تدعم وحدة الصومال وسيادة أراضيه، وتتعامل مع صومال موحّد، لما ما بين البلدين من احترام متبادل، ضاربا بعرض الحائط اعتقاد البعض بإمكانية اعتراف إثيوبيا ودول أخرى بصوماليلاند. وبالنسبة فيما يتعلق بزيارة الوفد المصري للصومال فقد أشار المتحدّث باسم الخارجية في تصريحاته إلى أن هذه الزيارة لا تعني إثيوبيا طالما العلاقات بين الطرفين لا تهدد أمن إثيوبيا ومصالحها.[4]

من جانبه، وصف هاني رسلان مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فكرة إنشاء قاعدة عسكرية مصرية في صوماليلاند مجرد مشاورات فقط لم تصل بعد إلى حدّ الاتّفاق إذ إن ذلك يقتضي وقتا طويلا حسب تعليقه، مضيفا أنّه: ” حتى إذا حدث ذلك فلن يكون له تأثير على أزمة السد”[5]

الخلاصة:
إن طرح فكرة إنشاء قاعدة عسكرية مصرية في صوماليلاند، وفي هذا الوقت بالذات، لا يعدو كونه مجرّد جزء من الحرب الإعلامية التي تخوضها مصر ضدّ كلّ من إثيوبيا وتركيا اللتان وقّعتا في شهر يوليو اتفاقيات تعاونية بينهما، وسط ارتفاع حالات التوتر بين مصر وإثيوبيا من جانب بسبب سدّ النهضة، وبين مصر وتركيا من جانب آخر بسبب الأوضاع في ليبيا، وعلاقات تركيا مع الصومال أقوى بكثير من علاقات الصومال مع مصر، إذ إن تركيا يعتبر الحليف الاستراتيجي للصومال في الوقت الراهن، كما أن القيادة الجديدة في إثيوبيا تتبنى مع قادة كلّ من إرتيريا والصومال رؤية مشتركة في سياسية منطقة القرن الإفريقي، مما يعني أن تكوين علاقات مصرية في القرن الإفريقي يتطلّب وقتا كثيرا، بينما فكرة بناء قاعدة عسكرية مصرية في القرن الإفريقي وغيره أمر شبه مستحيل في الوقت الراهن على الأقل، نظرا لما هو متعارف عليه في سياسة مصر الخارجية التي تتحفّظ كثيرا على تورّط جيشها في مشاكل خارجية بدليل أنها رغم كونها من مؤسسي التحالف العربي الّذي شن حربا على الحوثيين في اليمن، إلاّ أنها لم تشارك بقواتها العسكرية في تلك الحرب المستمرة حتّى الآن! وهذا دليل على أن إنشاء قاعدة عسكرية مصرية خارج حدودها ليست بهذا السهولة والبساطة. وعلى الرغم من ذلك فإنه من الممكن في أي ظرف مناسب أن تتحول الفكرة إلى حقيقة واقعية تسعى من خلالها مصر الضغط على إثيوبيا وسياساتها تجاه الاستفادة من مياه نهر النيل العظيم.
[1] . عبدالرحمن حسن، قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال: المحدّدات والأبعاد، المعهد المصري للدّراسات، نُشر في 11/أغسطس/2020م، على: https://eipss-eg.org/wp-content/uploads/2020/08/%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AF%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF-1.pdf
[2] . مركز مقديشو للبحوث والدّراسات، هل ستنشئ مصر قاعدة عسكرية في أرض الصومال، نُشر في 16/يوليو/2020م، على هذا الرابط: http://mogadishucenter.com/2020/07/%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%A6-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85/
[3] . محمد مغاور، قلق إثيوبي من نية مصر إقامة قاعدة عسكرية في “أرض الصومال” نُشر في 8/أغسطس/2020م، على موقع عربي24 https://arabi21.com/story/1291501/%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A5%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84
[4] . https://www.youtube.com/watch?v=amxGmh66igE
[5] . محمد مغاور، قلق إثيوبي من نية مصر إقامة قاعدة عسكرية في “أرض الصومال” نُشر في 8/أغسطس/2020م، على موقع عربي24 https://arabi21.com/story/1291501/%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A5%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84