تتسابق الولايات الإقليمية مع الزمن في استكمال العملية الانتخابية النيابية خلال الموعد النهائي المحدّد لها بالـ 15/مارس/2022م، حيث إنه من المتوقع أن تشهد الولايات الإقليمية الثلاثة (غلمذغ، هيرشبيلي، وجنوب غرب الصومال) في الأيام الثلاثة المتتالية القادمة الـ 13، الـ 14، والـ 15/مارس/2022م، انتخابات مقاعد برلمانية حسبما أعلنته اللجان الانتخابية الإقليمية في هذه الولايات.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالسباق مع الزمن في هذه الولايات، تظل قضية غربهاري ثابتة في مكانها ولا تتراوح، إذ لم تتوصل الأطراف إلى صيغة تفاهمية تضمن إجراء انتخابات المقاعد البرلمانية الـ 16، فيها، بعيدا عن تأثيرات الخلافات السياسية بين المتنازعين على سيطرة المحافظة التي تتبع سياسيا وجغرافيا لولاية جوبالاند، غير أنها تخضع لنظام عينته الرئاسة الصومالية بعد نقلها وحدات من القوات العسكرية إلى المحافظة في 2019م، وطردت منها الإدارة التابعة لولاية جوبالاند جنوب الصومال.
كان من أهم أسباب فشل مؤتمر طوسمريب4، عدم وصول الأطراف إلى رؤية مشتركة تطوي صفحة الخلافات في هذه المنطقة، أو على الأقل تسمح بإجراء انتخابات توافقية فيها، ليتم بعد ذلك حلحلة الأوضاع بعقد مؤتمر مصالحة شاملة لسكان المنطقة ومكوناتها مع إدارة جوبالاند التي تتبعها المحافظة.
في تصريحات له عقب أحداث الـ 19/فبراير/2021م، والتي أعقبت فشل مؤتمر طوسمريب4، أشار السيد دني في خطابه التاريخي المطوّل إلى أن الرئيس المنتهية ولايته محمد عبدالله فرماجو رفض كلّ الاقتراحات للوصول إلى حل وسطي يضمن إجراء انتخابات توافقية في مدينة غربهاري التي حُدّدت في المؤتمرات التشاورية السابقة كدائرة انتخابية ثانية في ولاية جوبالاند، وبالتالي كُلّلت جهود المؤتمر بالفشل بسبب ذلك.
في اتفاقية الـ 27/مايو/2021م، في مقديشو بشأن الانتخابات، تم تكليف رئيس الوزراء السيد روبلي مهمة الإصلاح بين سكان المنطقة، وحلّ مشاكلهم مع تشكيل لجنة مصالحة يأتي أعضاؤها من بقية الولايات الإقليمية الأربعة في البلاد، مما يعني أن إدارة جوبالاند لن تكون عضوا في هذه اللجنة للمصالحة التي ستعمل على إجراء مشاورات مع أهل المنطقة حول تكوين إدارة انتقالية لمدينة غربهاري، ومن ثم تكوين لجنة خاصة لإدارة الانتخابات في هذه المدينة، كما تم الاتفاق أيضا على أن تقوم هذه اللجنة بتقديم قائمة بأسماء المرشحين لتولي إدارة المدينة، إلى رئيس جوبالاند، ليختار منهم من يرى صالحا أو مناسبا لإدارة المدينة، وتم الاتفاق أيضا على نشر قوة إفريقية في هذه المدينة مهمتها تأمين الانتخابات هناك، غير أن كل هذه الأمور لم تجد بيئة مناسبة للتنفيذ فيها، وهو ما أعاد إلى الواجهة من جديد قضية غيذو وتأثيراتها السلبية على سير العملية الانتخابية.
في الـ 28/فبراير/2022م، شكّل السيد محمد حسين روبلي رئيس الوزراء الصومالي، لجنة تقييمية تتكوّن من 7 أشخاص لتقييم الأوضاع في مدينة غربهاري بمحافظة غيذو، ودراسة الطرق الممكنة لإجراء انتخابات المقاعد البرلمانية الـ 16 التي تتخذ من هذه المدينة دائرتها الانتخابية، على الرغم من كونها خارج سيطرة ولاية جوبالاند التي تتبعها جغرافيا وسياسيا! وذلك بعد أن أعلنت إدارة جوبالاند عجزها عن إجراء انتخابات في هذه المدينة.
وصل أعضاء هذه اللجنة أوائل شهر مارس الجاري إلى مدينة كسمايو حاضرة جوبالاند والتقوا فيها بمسؤولين في الولاية ينحدرون من المحافظة، غير أن كلا من إدارة المحافظة والمدينة رفضتا استقبال هذا الوفد التقييمي، بل أفادت مصادر إخبارية بأن إدارة غربهاري نشرت قوات عسكرية في المدينة لمنع هذه الزيارة حتى إذا تطلّب الأمر اللجوء إلى العنف، مما أدى إلى تعليق أعضاء هذه اللجنة زيارتهم إلى المدينة حتى الآن.
خلال لقائه مع السفير الأمريكي الجديد لدى الصومال لاري أندري في الأسبوع الماضي، أكّد السيد روبلي رئيس الوزراء على أنه لن يتم تمديد موعد استكمال الانتخابات النيابية لفترة أخرى، مشيرا إلى أنه يجب استكمالها فيما تبقى من المدّة المحدّدة بالـ 15/مارس/2022م، مما أثار تساؤلا في أوساط المعنيين بالانتخابات حول مصير المقاعد البرلمانية الـ 16 في مدينة غربهاري، وقبلها وبعدها حول تجاوز الأزمة العامة في غيذو.
هناك عدّة سيناريوهات وخيارات تنبري للمتابع لحل هذه الأزمة وتسويتها، ومن هذه السيناريوهات والخيارات:
- الوصول إلى حلّ جذري حول الأزمة في المحافظة: وهو أنجع الحلول وأنسبها، غير أنه صعب التحقيق -على الأقل- في هذا الوقت بالذات، حيث لم يتبق من الموعد المحدد لانتهاء الانتخابات سوى 3 أيام فقط! ومن المؤكّد أنه من الصعب تسوية أزمة معقّدة يزيد عمرها عن 3 سنوات خلال 3 أيام فقط!
- التوصل إلى صيغة تفاهمية لإجراءا الانتخابات في المدينة ومن ثم العودة لتسوية القضايا السياسية العالقة فيها: وهو أيضا خيار غير ممكن تحقيقه منذ اتفاقية الـ 27/مايو/2021م، وحتى هذه اللحظات التي شكل فيها السيد روبلي اللجنة التقييمية للأوضاع، مما يؤدّي إلى استبعاد هذا الخيار أيضا.
- نقل المقاعد البرلمانية الـ 16 في غربهاري إلى مدينة كسمايو أو مقديشو: لكون الأولى حاضرة الولاية، ولكون الثانية عاصمة البلاد، بالإضافة إلى أنها -أي مقديشو- استضافت انتخابات مقاعد مجلسي الشيوخ والشعب المنحدرة من صوماليلاند الانفصالية، إذ كان من المستحيل إجراء هذه الانتخابات في مدينة مثل هرغيسا أو بربرا بسبب المواقف الانفصالية للإدارة هناك، فأسوة بتلك الخطوة قد يرى البعض أن نقل هذه المقاعد إلى مقديشو قد يكون من الخيارات المتاحة حتى الآن، على الرغم من الفروق بين مواقف صوماليلاند ومواقف إدارات جوبالاند وغربهاري إزاء هذه الانتخابات، فبينما تقاطع الأولى الانتخابات بكونها دولة مستقلة عن الصومال، تبدي الأخيرتان استعدادهما لإجراء هذه الانتخابات وفق الاتفاقيات الانتخابية، إذ تعتقد كلّ إدارة أن ذلك من اختصاصاتها، وهو ما يفوّت أي فرصة لإقناعهما بنقل هذه المقاعد إلى مقديشو مثلا.
- تأجيل انتخابات هذه المقاعد حتى انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة: وهناك من يرى أن الحلّ الأمثل لهذه القضية، هو تأجيل هذه الانتخابات حتى يتم انتخاب الرئيس الجديد وتشكيل حكومته الجديدة التي ستعقد مؤتمرا للمصالحة لسكان هذه المنطقة يتم فيه تسوية جميع الخلافات السياسية والعشائرية في المنطقة والتي تسببت بعدم إجراء الانتخابات فيها، ويرى أصحاب هذه النظرية أن اكتمال نصاب البرلمان كفيل بممارسة مهامه من تأدية لليمين الدسوتورية وانتخاب رئيسه ومن ثم رئيس البلاد، وبما أنه قد اكتمل انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، وانتخب 222 نائبا حتى الآن من أعضاء مجلس الشعب أي حوالي 80%، فإنه من الإمكان مواصلة الإجراءات الانتخابية، وهو ما ألمح إليه قبل شهر تقريبا السيد أحمد سفينة المتحدّث باسم اللجنة الانتخابية الفيدرالية الّذي أشار إلى أن قضية غيذو -طالما أضحت سياسية- فإنها لن تقف أمام مواصلة اللجان الانتخابية لأعمالها، وأن هذه القضية سيتم حلّها في ظل الحكومة الجديدة المنبثقة عن البرلمان الّذي يجري تشكّله حاليا.