التمهيد
يزداد التوتّر الدبلوماسي بين البلدين (الصومال وكينيا) يوما بعد يوم، منذ أن قرّرت الحكومة الصومالية في الـ 29/نوفمبر/2020م، استدعاء سفيرها لدى كينيا، وطرد السفير الكيني لدى الصومال، احتجاجا على ما وصفته بالتدخّل الكيني السافر في الشأن الداخلي الصومالي.
في الـ 7/ديسميبر/2020م، فرضت دائرة الهجرة والجنسية في الصومال إجراءات سفر مشدّدة على حاملي جوازات السفر الكينية الشعبية منها والدّبلوماسية، حيث طالبت الدائرة حاملي الجواز الكيني الحصول على تأشيرة الدخول بالصومال من السفارات الصومالية حول العالم، كما طالبت حاملي الجواز الكيني الدبلوماسي الحصول على تصريح بإذن الدخول إلى الصومال من الخارجية الصومالية.
في 13/ديسمبر/2020م، وصل رئيس إدارة صوماليلاند الانفصالية إلى العاصمة الكينية نيروبي بعد تلقيه دعوة رسمية من السلطات الكينية، مما بدا للحكومة الفيدرالية وكأنه استفزاز كيني آخر ضدّها يلمّح إلى إمكانية اعتراف كينيا بصوماليلاند الانفصالية نكاية بالصومال التي أسرعت إلى تقديم مذكّرة احتجاج إلى منظمة إيغاد الإقليمية التي حدّدت يوم غد الأحد 20/ديسمبر/2020م، موعدا لاستماع شكوى الصومال ضدّ كينيا.
في الـ 15/ديسمبر/2020م، قرّرت الصومال قطع علاقاتها الدبلوماسية مع كينيا محدّدة مهلة 7 أيام -تبدأ من اليوم نفسه- لانسحاب الدبلوماسيين الكينيين من الصومال، وعودة السلك الدبلوماسي الصومالي في كينيا إلى الصومال خلال 5 أيام فقط.
برّرت الصومال قرار قطع علاقاتها مع كينيا، باستنفادها لجميع الطرق الدبلوماسية والسلمية التي من شأنها أن تعيد كينيا إلى رشدها في التعامل المثليّ مع الصومال، والكف عن تدخّلاتها السافرة والمباشرة بالشؤون الداخلية الصومالية، مما ألزم الصومال اللجوء إلى قطع العلاقات مع كينيا كمحاولة أخيرة لوضع حدّ للتجاوزات الكينية ضدّ الصومال!

لم يكن الرّد الكيني على قرار قطع الصومال لعلاقاتها الدبلوماسية معها بتلك الدرجة التي اتصف بها القرار الصومالي، وقال سيروس أوغونا الناطق باسم الحكومة الكينية: “نحن دولة رفيعة المستوى، ولا يليق بنا القيام بما قامت به الصومال، لما يعني ذلك من انتقام لا نريده القيام به، ولذا سنترك تسوية القضية وحلّها لمنظمة إيغاد وللسوق المشتركة بين دول شرق إفريقيا وجنوبها (كوميسا COMES)”.
إلى جانب تصريحات الناطق باسم الحكومة الكينية، نشرت وسائل إعلام كينية خبرا مفاده نشر الحكومة الفيدرالية وحدات من الجيش الصومالي على طول الحدود بين البلدين، وجاء في مستهل تقرير أعدّته صحيفة ديلي نيشن الكينية حول هذه الحادثة: “بعد ساعات قليلة من إعلان الصومال بقطع علاقاتها مع كينيا، تم نشر الجيش الصومالي في الحدود المشتركة بين الدولتين”!
واعتمدت الصحيفة في إثبات هذا الخبر على اتّصالاتها مع سكّان المناطق الحدودية وبعض القوى الأمنية الكينية في تلك المناطق، حيث أكّد علي عبدلّه أحد سكان مانطير بحقيقة القوات الصومالية المنتشرة على الحدود المصطنعة بين الطرفين، قائلا: “لقد استيقظنا على مشهد ضباط الجيش في طول الحدود، إنه أمر مقلق جدّا”، بينما قال ضابط أمني كيني سابق يقيم في مانطيرا: “لدينا معلومات حول ما يجري في الحدود بين البلدين، ولكن اتخاذ القرار المناسب حيال هذه التطورات يخصّ المسؤولين في نيروبي”!
في المقابل أصدرت وزارة الإعلام الصومالية اليوم السبت 19/ديسمبر/2020م، بيانا صحفيا تشير فيه إلى متابعتها الدّقيقة لتحرّكات كينية في الحدود بين البلدين مهمتها خلق جبهة مسلحة في المنطقة لزعزعة أمن الصومال وتقويضه، وذلك بدعم هذه الجبهات بالأسلحة والعتاد وحشدها في طول الحدود بين البلدين!
وحذّرت وزارة الإعلام الصومالية كينيا من مواصلة تدريبها وإعدادها لهذه الجبهة المسلّحة على الحدود بين البلدين، لما في هذه الخطوة من أضرار ونتائج سلبية على استقرار منطقة القرن الإفريقي برمّتها.

أسباب التصعيد الدّبلوماسي بين البلدين
تجدّدت الخلافات الدبلوماسية بين البلدين منذ ظهور مذكّرة التفاهم حول ملف النزاع البحري بين البلدين والتي رفضها البرلمان الانتقالي في جلسته المنعقدة في 8/أكتوبر/2011م، والتي تم رفعها فيما بعد وخصوصا في 28/أغسطس/2014م إلى محكمة العدل الدولية للبت فيها، ومنذ ذلك الحين ما زالت العلاقات الدبلوماسية الكينية الصومالية بين المدّ والجزر وبين التهدئة والتصعيد.
غير أن الحكومة الفيدرالية الحالية برّرت خفض علاقاتها أو قطعها بسبب التدخلات الكينية المباشرة وغير المباشرة في الشأن الداخلي الصومالي من انتهاك لسيادة الصومال على أراضيه، والسعي إلى تفكيكه وتقسيمه بإقامة علاقات وطيدة مع بعض الولايات الإقليمية مثل صوماليلاند الانفصالية، وجوبالاند التي تتعرض لضغوط كينية تدفعها نحو الانسحاب من الاتفاقية الأخيرة حول الانتخابات القادمة، حسبما جاء في البيانات المختلفة التي أصدرتها الحكومة الفيدرالية حول هذه القضية.
من جانبه يرى مجلس اتّحاد المرشحين، أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع كينيا ما هو إلاّ قرار مسيّس تستخدمه الحكومة الفيدرالية كورقة رابحة في رحلة حملتها الانتخابية للعودة إلى الحكم من جديد في 2021م، مشيرين إلى أن الرئيس الحالي كان قد أطلق في 2016م، من نيروبي حملته الانتخابية التي فاز فيها، حاملا شعار معاداة إثيوبيا ومحاباة أو التصالح مع كينيا، لكن يبدو أن الأمور قد تغيرت، فبدت إثيوبيا الصديق الوفي للصومال في حين غدت كينيا العدو اللدود في نظر النظام الحالي حسب رأي مجلس اتّحاد المرشحين.
آثار التصعيد الدبلوماسي على شعوب المنطقتين
لا شكّ أن مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدان ينعكس على علاقات شعوب هذه الدول وترابطها، وعليه فإن التصعيد الدبلوماسي بين كينيا والصومال سيترك آثاره السلبية على الشعبين الّذين تربطهما مصالح اجتماعية واقتصادية مشتركة بسبب الاندماج الاجتماعي بين الشعبين.
وإدراكا منها بهذه العلاقات بين الشعبين، فقد جاء في بيان قطع الصومال علاقتها مع كينيا بأنّ: “ الشعب الكيني شعب يحب السلام والتعايش السلمي مع شعوب المنطقة، وتربطه علاقات وثيقة مبنية على التعاون وحسن الجوار مع الشعب الصومالي، لكن القيادة الكينية الحالية تسعى إلى التنفير بين الشعبين ذوي المصالح المشتركة”. بالإضافة إلى ذلك هناك الملايين من أبناء الشعب الصومالي يتواجدون في كينيا لأغراض مختلفة قد يتعرّضون لضغوط داخلية في حال استمرار التوترات الدبلوماسية بين البلدين مما ينذر بزوال مصالحهم هناك. أضف إلى ذلك أن قطاعا كبيرا من الصوماليين الحاملين للجواز الكيني سيتأثرون بمتطلّبات السفر التي أصدرتها إدارة الهجرة والجنسية في الصومال بخصوص حاملي الجواز الكيني، وفي ذلك ضياع لمصالح العديد من التجار الصوماليين الحاملين للجواز الكيني الّذي ساهم في نجاح ورواج تجارتهم بسبب وصولهم إلى أماكن لم يكن من السهل الوصول إليها بالجواز الصومالي.

وليست التأثيرات السلبية لهذا القرار مقتصرة فقط على الجانب الصومالي، بل ستشمل الجانب الكيني، ليس فقط فيما يخص بتجارة القات التي تدرّ أرباحا هائلة على الاقتصاد الكيني، بل فيما عداها من السلع والمنتجات الصومالية التي يتم تصديرها إلى كينيا، وهنا يقول إسحاق آدم أحد أصحاب المحلاّت التجارية في مانطيرا الحدودية: “نطلب من الحكومة في نيروبي ضمان تهدئة الوضع الراهن وحل المشاكل بين الطرفين على طاولة المفاوضات لاستمرار الأمن والاستقرار في المنطقة، إذ إن هذا الوضع الأمني المستجد سيؤثر على التبادل التجاري بين مانطيرا والصومال، لأن أغلب البضائع التجارية تأتينا من مقديشو، وليس من نيروبي، نظرا لبعد الأخيرة جغرافيا عن المنطقة، وعلى هذا الأساس نعتمد بشكل كبير على المنتجات الصومالية”.
الخاتمة
إن التصعيد الدبلوماسي بين البلدين يساهم في تعقيد الأوضاع المتوتّرة أصلا في منطقة القرن الإفريقي التي أصبحت مسرحا للصراعات الدولية والإقليمية، مما ساهم في إعاقة تنميتها واستقرارها السياسي والأمني، وعليه، فإنه يتحتم على دول منظمة الإيغاد التي سيجتمع قادتها يوم غد الأحد 20/ديسمبر/2020م للنقاش حول شكوى الصومال ضدّ كينيا، الوصول إلى قرار لا يمس سيادة الدول الأعضاء على أوطانها في أي حال من الأحوال، ويساهم في استقرار المنطقة وتنميتها سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

تحليلات مستقبل ميديا