انتهى عام ٢٠٢١م، دون أن تستكمل الصومال الإجراءات الانتخابية التي كان من المفترض استكمالها في أوائل ٢٠٢١م، لكن الخلافات السياسية بشأنها حالت دون استكمالها حتى اللحظة.
انطلقت الفعاليات الانتخابية بتثاقل في ال ٢٩/يوليو/٢٠٢١م، عندما شهدت مدينة كسمايو انتخاب أولى المقاعد الممثلة لولاية جوبالاند جنوب الصومال في مقعد الشيوخ بالبرلمان الفيدرالي الحادي عشر، لتتبعها بعد ذلك باقي الولايات الإقليمية الأخرى في هذا الإجراء الذي استغرق قرابة ٤ أشهر تقريبا، حيث اكتمل انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم إلى ٥٤ عضوا، في نوفمبر ٢٠٢١م، على الرغم من الانتقادات الموجهة إلى طريقة انتخابهم التي شابها الكثير من الشكوك الطاعنة بنزاهتها ومصداقيتها.
في نوفمبر ٢٠٢١م، ومع موجة عارمة من محاولات التزوير، انطلقت فعاليات انتخاب أعضاء النواب الجدد في مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي الحادي عشر، وطال بعض نتائج الانتخابات التي شهدتها كل من مقديشو، بيدوة، وطوسمريب انتقادات لاذعة، وصلت إلى درجة مقاطعة بعض العشائر هذه النتائج وتقديم شكاوى حولها إلى اللجان المختصة بذلك، والتي تواطأت إلى حد ما مع المتلاعبين بالنتائج الانتخابية وتزويرها، مما دعا إلى طرد بعضهم من اللجان الانتخابية، فكان ذلك بمثابة الشرارة التي انطلقت منها الأزمة السياسية الراهنة بين رأسي السلطة التنفيدية في الصومال اليوم.
خيارات التهدئة وسيناريوهات التصعيد
إن الصومال اليوم في نقطة فاصلة بين الحفاظ على مكتسبات مسيرة عملية بناء الدولة الصومالية الممتدة من عام ٢٠٠٠م، وبين إضاعة هذا الإرث من المصالحة والخبرات المكتسبة في مجال تعافي البلاد من ويلات الحروب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس.
وهناك خيارات وسيناريوهات تحدد، فيما إذا كان الصومال سيتجه نحو التصعيد أو التهدئة، ومن شهذه الخيارات:
- استكمال الانتخابات وتصحيح مسارها: وهو الخيار الذي يتبناه غالبية المعنيين بالانتخابات الصومالية سواء كانت القوى السياسية المحلية والدولية، وعلى رأسهم المجلس الوزاري بزعامة السيد روبلي رئيس الوزراء الذي دعا أعضاء المجلس الوطني للاستشارات إلى مؤتمر تشاوري لبحث هذا الخيار وتحويله إلى واقع سياسي عملي معاش، وقد استجاب لدعوته كل من رؤساء بونتلاند، جوبالاند، غلمذغ، وهيرشبيلي، غير أن جنوب غرب الصومال قاطعت هذا الاجتماع حتى الآن وأعلنت تضامنها مع فرماجو الذي يبذل قصارى جهده لإفشال هذا المؤتمر التشاوري، الذي يدعمه المجتمع الدولي، بمن فيهم الولايات المتحدة التي دعت فرماجو إلى دعم جهود روبلي في انعقاد هذا المؤتمر، وهددت باتخاذ إجراءات صارمة ضد “معرقلي مسار الصومال نحو السلام”!
- إلغاء الانتخابات وتمديد فترة المؤسسات المنتهية ولايتها: وهو خيار يتبناه محمد فرماجو، الذي ما انفك يراوده منذ أبريل ٢٠٢١م، غير أنه فشل في تحقيق ذلك، على الرغم من إقناعه لمجلس الشعب المنتهية ولايته بتمرير قرار بهذا الموضوع في ال ١٢/أبريل/٢٠٢١م، لكنه اصطدم برفض واسع أدى إلى انقسام الجيش الصومالي وما لحقه من اشتباكات مسلحة في مقديشو، عرفت بأحداث ال٢٥/أبريل/٢٠٢١م، الدموية. ومع أن خطته تلك فشلت، إلا أن فرماجو أقدم على خطوة مماثلة لها في ال ٢٧/ديسمبر/٢٠٢١م، فيما عرف ب “محاولة الانقلاب الفاشلة” عندما حشد قوة عسكرية في محيط مكتب رئيس الوزراء ومقر المجلس الوزاري، بهدف تنفيذ مرسوم أصدره قبل يوم بإيقاف رئيس الوزراء عن العمل لمواجهته تهم فساد وفشله في إجراء انتخابات توافقية في موعدها، غير أن رئيس الوزراء فند هذا المرسوم ببيانات صحفية، وأصر على دخول مكتبه مهما كلفه ذلك من ثمن وإن كان ذلك سيرا على الأقدام، وهو ما تم له في نفس يوم ال ٢٧/ديسمبر/٢٠٢١م، مما أحبط محاولة انقلاب فرماجو على الشرعية الدستورية.
- تعليق الانتخابات وتشكيل مجلس وطني انتقالي: من بين الخيارات المتاحة والسيناريوهات المحتملة، تعليق العملية الانتخابية وتشكيل مجلس وطني انتقالي يقود البلاد في المرحلة الانتقالية نحو استكمال أسباب إجراء انتخابات مباشرة في غضون مدة محدودة يتم الاتفاق عليها، ويتبنى هذا الاتجاه شخصيات سياسية معتبرة في مجلس اتحاد المرشحين وفي السياسيين المستقلين، كما أنه كان يحظى بقبول شبه مبدئي من القصر الرئاسي حتى قبل أحداث ال ٢٧/ديسمبر/٢٠٢١م، وعليه، فإنه مع تعزيز الجهات السياسية بخيار تصحيح الانتخابات، فإن فرص هذا الخيار تتضاءل بشكل ملحوظ مقابل ذلك.
- الاحتكام إلى السلاح واللجوء إلى العنف: قد يكون هذا الخيار آخر الخيارات الخطوات المتخذة لمواجهة الأوضاع السياسية المعقدة في البلاد، وهو مما يعني العودة إلى الوراء حيث الحروب الأهلية والصراعات الطائفية الجهوية والنزاعات المسلحة التي لا تصب في مصلحة أي طرف من الأطراف المعنية، وبالتالي فإنه لا مناص ولا مفر من أن تتفق الأطراف على صيغة سلمية تضمن بإجراء انتخابات توافقية نزيهة وذات مصداقية تؤدي إلى انتقال سلمي للسلطة في البلاد.
إن مسيرة بناء الدولة الصومالية المتعثرة تمر في منعطف خطير، حيث تداهمها الأخطار من كل الجوانب، مما يتطلب نفسا عميقا وهادئا لتجاوز هذه الأخطار، والعبور بالبلاد من المرحلة الحرجة المقبلة عليها، وذلك تفاديا لمزيد من الاضطرابات السياسية والتوترات الأمنية التي قد تجعل المكتسبات الوطنية المحدودة في مهب الرياح.