شكّلت الخلافات السياسية بشأن الانتخابات الصومالية عائقا كبيرا، ساهم في تأخير انطلاق الإجراءات الانتخابية عن موعدها المحدد بأواخر ديسمبر 2021م، ولا يلوح في الأفق حتى الآن أية بوادر تشير إلى إجراء هذه الانتخابات في الأشهر القليلة القادمة.
ويتمركز الخلاف الحالي بين الأطراف الصومالية بشأن الانتخابات البرلمانية والرئاسية حول المحاور الآتية:
- اللجان الانتخابية الفيدرالية: هناك جدل قائم حول شرعية اللجان الانتخابية الفيدرالية التي تتكون من ممثلين عن الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية الثلاثة الموالية لها (غلمذغ، هيرشبيلي، وجنوب غرب الصومال)، بينما امتنعت كلّ من بونتلاند وجوبالاند إرسال ممثليها في هذه اللجان، مما زاد الانقسام حول هذه اللجان التي تعتبرها القوى المعارضة بأنها لجان غير محايدة ومنحازة للحكومة الفيدرالية لما تضم في صفوفها من موظفين حكوميين معروفون بتأييدهم للرئيس فرماجو وأنصاره، إلى جانب ضباط أمن يعملون في جهاز المخابرات والأمن الوطني الّذي يترأسه فهد ياسين حاج طاهر الّذي يكوّن علاقات صداقة قوية ومتينة مع الرئيس الحالي محمد عبدالله فرماجو، مما زاد مخاوف القوى المعارضة إزاء شفافية اللجان الانتخابية الفيدرالية ونزاهتها.
- إدارة انتخابات المقاعد البرلمانية المنحدرة من صوماليلاند: من القضايا المثيرة للخلاف السياسي حول الانتخابات القادمة قضية إدارة انتخابات المقاعد البرلمانية المنحدرة من صوماليلاند والتي تم الاتفاق على إجرائها في مقديشو وفقا لاتفاقية الـ 17/سبتمبر/2020م، واللوائح التنفيذية الملحقة بها، غير أن الإشكال يكمن في الجهة المسؤولة عن تعيين أعضاء اللجنة الانتخابية المنظمة لهذه الانتخابات، إذ إن الاتفاق لم ينص صراحة على طريقة تشكيل هذه اللجان بل وضع خطوطا عريضة وإشارات وتلميحات ربما قد استغلق فهمها على المعنيين بها، حيث يقول البند الثالث من لوائح تنفيذ الاتفاق السياسي المنظم للانتخابات والتي وقع عليها قادة الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية في الـ 1/أكتوبر/2020م، ما معناه بأن “المجلس القومي للاستشارات قرّر أن تعيّن الحكومة الفيدرالية اللجنة الإدارية لانتخابات ممثلي صوماليلاند في البرلمان الفيدرالي القادم، وذلك بعد التّشاور مع السياسيين المنحدرين من هذه المناطق”،وهنا لم يتم تحديد السياسيين الّذين تتشاور معهم الحكومة الفيدرالية بشأن تشكيل اللجنة المنظمة لانتخابات المقاعد البرلمانية، مما دعا إلى ظهور اتجاهين، أحدهما يفوض مهدي جوليد نائب رئيس الوزراء لهذه المهمة، بينما الاتجاه الثاني يفوض عبده حاشي رئيس مجلس الشيوخ لهذه المهمة، ولكل منهما أنصاره وأعوانه، فبينما تميل الحكومة الفيدرالية إلى الاتجاه الأول الّذي يمنح مهدي جوليد صلاحية تعيين أو إشارة الأعضاء المرشحين لهذا المنصب، تدعم القوى المعارضة الاتجاه الثاني الّذي يخوّل عبده حاشي تولي مسؤولية تعيين أعضاء اللجنة المنظمة لانتخابات المقاعد البرلمانية المنحدرة من صوماليلاند.
- قضية غيذو: تحتل قضية غيذو جزءا كبيرا من أسباب الخلاف السياسي حول الانتخابات القادمة، كما أنها كانت من القضايا المثيرة للجدل أثناء مفاوضات القادة في مقديشو في سبتمبر 2020م، ذلك أن أحمد مذوبي رئيس جوبالاند اشترط آنذاك سحب القوات الحكومية من المحافظة قبل بدء التفاوض مع الرئيس فرماجو، غير أنه بطريقة أو بأخرى تم إقناع أحمد مذوبي على تأجيل قضية غيذو وتسويتها لاحقا، أي بعد الوصول إلى اتفاق بشأن الانتخابات، وخلاصة قضية غيذو تتمثل في مطالبة أحمد مذوبي بسحب القوات الحكومية من المحافظة كشرط أساسي لتشكيل جوبالاند لجانها الانتخابية المنظمة للانتخابات القادمة وإجراء الانتخابات البرلمانية في المحافظة، وإصرار الحكومة الفيدرالية على ضرورة بقاء قواتها في المحافظة كونها تحقق مصلحة وطنية كبرى تتمثل في حماية الحدود الصومالية من أي عدوان خارجي محتمل!

محاولات لرأب الصدع بين الأطراف الصومالية
منذ ظهور الخلاف السياسي بشأن الانتخابات سعت جهات محلية ودولية إلى احتواءه وإنهائه سلميا، ومن أبرز هذه المساعي الإصلاحية الجهود التي بذلها السيد أحمد قورقور رئيس غلمذغ الّذي التقى مرّات كثيرة بالأطراف المتعارضة، إلاّ أنه في نهاية المطاف أعلن بمجابهة جهوده بالرفض وعدم التجاوب معها من قبل المعارضة التي سارعت إلى نفي تصريحات قورقور بشأن إفشالهم لجهوده في الوساطة.
إلى جانب ذلك كانت هناك و لاتزال حتى الآن جهود جبارة تبذلها منظمات المجتمع المدني للتقريب بين فرقاء السياسة الصومالية ومكوناتها، في حين يحاول عبدالعزيز لفتاغرين استئناف ما فشل به صديقه وزميله أحمد قورقور من القيام بالتوسط بين الحكومة الفيدرالية والقوى المعارضة بما فيها ولايتي بونتلاند وجوبالاند، ومجلس اتحاد المرشحين.
المجتمع الدولي وتعامله مع الأزمة الحالية
كان المجتمع الدولي يراقب الوضع عن كثب منذ مدّة، ربما ليتيح المجال للأطراف المحلّية والداخلية أن تحقق نجاحا في جهودها الإصلاحية، وكان يكتفي بإصدرا التصريحات والبيانات الإجمالية التي تدعو إلى إنهاء الخلاف والعمل على إجراء انتخابات توافقية.
غير أنه يلاحظ منذ الأسابيع الأخيرة تغير استراتيجية تعامل المجتمع الدولي مع القضية، إذ حمل السفير جيمس سوان لواء الوساطة بين الأطراف عن طريق إجرائه لقاءات مباشرة مع رؤساء الولايات الإقليمية الموجودين في مقديشو كعلي غودلاوي رئيس هيرشبيلي، وإجراء اتصال هاتفي مع أحمد مذوبي رئيس جوبالاند، وقيامه بزيارات إلى حواضر بعض الولايات الإقليمية مثل بيدوة، طوسمريب، وجرووي، واللقاء برؤسائها للبحث معهم القضايا السياسية والأمنية والتنموية الراهنة.
وهنا يرى بعض المتابعين إمكانية نجاح سوان في جهوده هذه، ليس فقط بسبب أن المجتمع الدولي لديه وسائل إقناع متعدّدة تدفع الأطراف الصومالية نحو التفاهم والاتفاق، بل أيضا بسبب الثمار الأولية التي أثمرتها جهوده والمتمثلة في إقناع رؤساء الولايات الإقليمية بعقد اجتماع هاتفي تشاوري بينهم في الأسبوع الماضي تمهيدا لاجتماع واسع ومباشر سينعقد في العاصمة مقديشو بعدما تكتمل الإجراءات والترتيبات اللازمة لعقده.

إلى جانب الزيارات الداخلية التي يقوم بها جيمس سوان، هناك جهود أخرى يبذلها دونالد يماماتو السفير الأمريكي لدى الصومال، وتتمثل جهوده في إجراء لقاءات واتصالات هاتفية مع المؤثرين في السياسة الصومالية للبحث معهم الطرق المثلى لتحقيق إجراء انتخابات توافقية حرة ونزيهة، إضافة إلى ذلك يتميّز دونالد يماماتو بإصدار التصريحات والبيانات ذات اللهجات والعبارات الحادة حول القضايا العالقة، كانت آخرها تغريدته قبل يومين على حساب السفارة الأمريكية لدى الصومال في تويتر، والتي ذكر فيها بأنه أجرى مباحثات مع كل من حسن علي خيري، عبدالكريم جوليد، وشريف حسن شيخ آدم، كما حذّر فيها جميع الأطراف من اللجوء إلى العنف أو اتخاذ خطوات متوازية ومتضادة يتم فيها إجراء انتخابات أحادية الجانب مما قد يقود البلاد مرّة أخرى نحو مزيد من التفكك والانقسام.
إن الجهود المحلية والدولية المبذولة حتى الآن، من شأنها أن تحقق نجاحا يضمن إجراء انتخابات توافقية ونزيهة في الصومال في حال قدّمت جميع الأطراف تنازلات كبيرة من أجل المصلحة العليا للبلاد، كما أن استنفاد المجتمع الدولي لكل طاقاته السياسية والتأثيرية واستخدامه لجميع وسائل الترغيب والترهيب السياسية المتوفرة لديه من شأنها أن تقود الأطراف الصومالية نحو الوصول إلى تفاهم ينهي الأزمة السياسية الحالية. أما في حال فشل كل هذه المحاولات – لا قدّر الله- فإنه من الصعب وجود خيارات أخرى غير استمرار الانقسام السياسي وتعميق هوة الخلاف بين شركاء السياسة، وذلك مما لا يصب في مصلحة أي من الأطراف المعنية بالقضية الصومالية، قبل أن يكون مضرا بالشعب الصومالي الّذي يعد الخاسر الأكبر عند فشل الجهود الإصلاحية، لذا يجب على النخب السياسية الصومالية السعي إلى تسوية النزاعات السياسية سلميا قبل أن يستحكم مفعولها وتتفاقم آثارها السلبية.

تحليلات مستقبل ميديا