في 5/يونيو –حزيران/2017م، فرضت 3 دول خليجية هي السعودية، الإمارات، والبحرين مع مصر حصارا بريا وبحريا وجويا على دولة قطر التي هي عضو من الأعضاء المؤسسين لمجلس التعاون الخليجي.
وجاء قرار فرض الحصار على قطر ومقاطعتها من قبل مصر والدول الخليجية بعد توجيه اتهامات لقطر بدعمها للجماعات الإرهابية المتطرفة، وارتمائها في أحضان تركيا وإيران اللتان تعدّان حلفاء استراتيجيين لقطر.
ولأن قرار حصار قطر كان مفاجئا للدول العربية والإسلامية بل والغربية، فقد كانت ردود الأفعال تجاهه متباينة ومختلفة، حيث انقسم العالم حياله إلى: مؤيّد للحصار، أومتضامن مع قطر، أو محايد في القضية وتبعاتها.
وبين هذا وذاك، كانت هناك دول حملت على عاتقها، ومن منطلق مسؤولياتها الأخلاقية والاجتماعية، مهمة العمل على رأب الصدع بين الأشقاء في الخليج العربي، وكانت دولة الكويت -وما زالت- في صدارة الساعين إلى وجود حلّ للأزمة الخليجية ووأدها في مهدها قبل استفحالها وتفاقمها، إلاّ أنها جوبهت بعدم التفاعل الجدي مع جهودها ومساعيها الحثيثة لنزع فتيل الأزمة بين الأشقّاء في الخليج.
ورغم أن مسؤولين قطريين -وعلى رأسهم وزير الخارجية القطري- يتحدّثون عن مبادرات عربية لحلّ الأزمة الخليجية مع الذّكرى الثالثة للأزمة، إلاّ أنه لا يلوح في الأفق حتى الآن أية ملامح تشير إلى إمكانية تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بل يلاحظ ازديادا واضحا للتباعد بين الطرفين تقرّه بعض تغريدات أتباع الطرفين ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تمثل دليلا صارخا لمعرفة مدى الشرخ الكبير الّذي أحدثته الأزمة في النسيج الاجتماعي للأشقاء في الخليج العربي!
وإنّه مما لا شكّ فيه أن هذاالحصار ترك آثاره السلبية على كلّ من شعوب الدول المحاصِرة والمحاصَرة، بل قد تعدّى بتأثيراته إلى دول أخرى تربط كلا الطرفين بعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية. ويعدّ الصومال من الدول التي تأثّرت إنسانيا وسياسيا وأمنيا بالأزمة الخليجية رغم إعلانها عن موقفها المحايد تجاه الأزمة.
تأثيرات الأزمة الخليجية على الصومال:
يعدّ الصومال امتدادا جغرافيا واجتماعيا وثقافيا لمنطقة الخليج العربي مما يجعله يتأثر بما يجري في تلك المنطقة من تحوّلات سياسية وأمنية واقتصادية، فضلا عن طبيعة العلاقات الأخوية والدّينية التي تربط الصومال بدول الخليج العربي.
وسعيا منها للتخفيف عن وطأة التأثيرات السلبية لهذه الأزمة على الصومال، أعلنت الحكومة الصومالية منذ البداية موقفها المحايد تجاه أزمة الخليج، إلاّ أن هذا لم يساعدها على النأي بنفسها عن تأثيرات هذه الأزمة على علاقتها مع بعض الدول الخليجية ومع الأوضاع الدّاخلية في البلاد، حيث إن غياب رؤية سياسية مشتركة وموحّدة بين الشركاء السياسيين في الصومال ساهم في جرّ البلاد وأهلها إلى الأزمة الخليجية، وذلك عندما أعلنت بعض القوى المعارضة للحكومة المركزية أن الحكومة أخطأت في اتخاذ قرار الحياد تجاه الأزمة، مشيرين إلى أن في ذلك عدم اعتراف لجميل سابق لبعض الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات اللتان عُرفتا بدعم الصومال إنسانيا وتعليميا واقتصاديا خلال فترة الحروب الأهلية، كما أنّ فيه تجاهل للدور المصري في النضال الوطني الصومالي لنيل الاستقلال، وفي جهودها للمصالحة الوطنية.
هذا الاختلاف في الرؤى والمواقف الصومالية تجاه الأزمة الخليجية أدّى إلى ظهور أطراف صومالية تعلن تأييدها للمحور السعودي الإماراتي ضد قطر، مثل صوماليلاند الانفصالية، في خطوة مغايرة للموقف الرسمي للحكومة المركزية.
إلى جانب هذا الاختلاف كانت هناك اتهامات موجهة إلى الحكومة المركزية من قبل المعارضة بأنها –أي الحكومة- تبدي انحيازا تاما للجانب القطري مستدلّين بذلك الانفتاح الدبلوماسي والسياسي والعسكري الصومالي على الدوحة، إلى جانب رصد انغلاق صومالي تجاه السياسة الإماراتية في القرن الإفريقي، مما أدّى إلى اندلاع أزمة دبلوماسية بين الصومال والإمارات العربية المتحدة في 2018م أي بعد عام تقريبا من اندلاع الأزمة الخليجية.
اندلاع أزمة دبلوماسية بين الصومال والإمارات:
وتعتبر شركة موانئ دبي العالمية من أشعل فتيل الأزمة الدبلوماسية بين الصومال والإمارات في مارس 2018م، كما أشار إلى ذلك السيد أحمد عيسى عوض في حديث له مع التلفزيون العربي في يونيو 2020م، وذلك عند توقيعها – أي شركة موانئ دبي- اتفاقية مع صوماليلاند وإثيوبيا بشأن تطوير ميناء بربرا في الإقليم الصومالي الانفصالي المعروف بصوماليلاند، دون أن يكون دورا للحكومة المركزية الصومالية في ذلك الاتفاق، وهو ما دعا البرلمان الصومالي الفيدرالي في 12/مارس/2018م، إلى إصدار قانون يحظر شركة موانئ دبي العالمية من العمل في الصومال لانتهاكها الصارخ لسيادة الصومال واستقلاله، ولكن شركة موانئ دبي العالمية ادّعت أن لديها مستندات ووثائق تبين موافقة الحكومة السابقة للحكومة الفيدرالية الحالية على اتفاقها الأخير بشأن ميناء بربرا مع إثيوبيا وصوماليلاند، غير أن وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض أشار آنذاك في حديثه لبرنامج “بلا قيود” الذي يبث على شاشة البي بي سي العربية إلى أنهم طالبوا الشركة الإماراتية بعرض تلك الوثائق وهو ما عجزت عنه الشركة.
ورغم أن المملكة العربية السعودية حاولت التوسط بين الصومال والإمارات منذ ظهور الأزمة الدّبلوماسية بين الدولتين إلاّ أن التصعيد كان هو سيّد الموقف، وخاصة عندما ضبطت سلطات مطار آدم عدي الدولي بمقديشو في 8/إبريل/2018م مبلغا ماليا يصل إلى أكثر من 6 ملايين دولار أمريكي على متن طائرة إماراتية خاصة.
وتضاربت الأنباء حينها حول ماهية هذه الأموال، فحينما كانت سلطات المطار في مقديشو أبدت شكوكها تجاه وصول هذه المبالغ المالية إلى المطار دون علمها وبالتزامن مع وقت تشهد فيه البلاد احتداما لصراع سياسي، بين مؤسساته التشريعية والتنفيذية، على خلفيته استقال رئيس البرلمان آنذاك السيد محمد عثمان جواري عن منصبه، كانت الإمارات قد أعلنت أن هذه الأموال كانت أموالا تنتظرها السفارة الإماراتية في الصومال لصرف رواتب ما يقارب 2400 جندي صومالي كانت الإمارات تتولّى مهمة تدريبهم وإعدادهم منذ 2014م.

التوجّه نحو التصعيد:
إن ضبط الطائرة الإماراتية ومصادرة ما كان على متنها من ملايين الدولارات أدّى إلى أن تكون ردّة فعل الإمارات أشد تصعيدا وأكثر حدة، حيث أعلنت الإمارات بعد ذلك إغلاق مركز تدريب للجيش الصومالي تابع لها في مقديشو وإيقاف عمليات تدريب قوات صومالية تقدّر بحوالي 2407 جندي صومالي كانت الإمارات تتولى تدريبهم وصرف رواتبهم وفقا لوكالة الأنباء الإماراتية!
لم تكتف الإمارات بإغلاق المركز التدريبي للجيش الصومالي، بل تعدّت ردود أفعالها إلى ما يؤثّر الجانب الإنساني في مساعدة الصوماليين وذلك عند إقدامها في إبريل 2018م على إغلاق مستشفى الشيخ زايد في مقديشو والذي كان يستقبل يوميا قرابة 300 مرضى وبالمجان، متذرّعة بتلقيها تضييقات من الحكومة الفيدرالية وبأن جزءا من الأموال المصادرة كانت مخصصة لدعم ميزانية المستشفى في تسيير أعماله الإغاثية للمرضى الصوماليين.
وبناء على تلك الردود ساءت العلاقات الدّبلوماسية والسياسية بين الصومال والإمارات، حتى أنه ليمكن القول بأنها قد وصلت – رغم استمرار التمثيل الدّبلوماسي بين الطرفين- إلى حد يشبه القطيعة التامة بين الطرفين.


تعزيز للعلاقات بين مقديشو والدّوحة:
وبالمقابل كان هناك تعزيز ملحوظ للعلاقات بين مقديشو والدّوحة حيث تم توقيع اتّفاقيات بين الطرفين في مجال تطوير البنى التحتية الصومالية مثل تعبيد طرق تربط مقديشو بكل من جوهر في شبيلي الوسطى وأفجويي في شبيلي السفلى، كما وقّع البلدان اتفاقيات أخرى منها مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الموانئ بموجبها تتولى قطر بناء ميناء هوبيو وسط الصومال، وفي يناير 2019م، استقبل الصومال منحة عسكرية مقدمة من القوات المسلحة القطرية تتضمن آلية عسكرية حديثة، هذا إلى جانب تصدر مؤسسات قطرية مشهد المساعدات الإنسانية في الصومال عبر حملات إغاثية مختلفة.
إلى جانب ذلك، كانت هناك زيارات متبادلة بين الطرفين لتعزيز العلاقات فيما بينهما، كان من بينها زيارات متعاقبة لرئيس الوزراء المعزول حسن علي خيري على الدّوحة، شارك خلالها مؤتمرات دولية استضافتها الدوحة، كما كانت هناك زيارات لوفود قطرية رفيعة المستوى إلى الصومال منها زيارة وفد من وزارة الدفاع القطرية لمدينة طوسمريب عاصمة ولاية غلمذغ في 14/يوليو/2019م، لإجراء مباحثات حول عمليات تدريب الجيش الصومالي وتطويره مع إدارة غلمذغ في المدينة ومسؤولي الحكومة الفيدرالية المتواجدين هناك وعلى رأسهم رئيس الوزراء المعزول حسن علي خيري الّذي كان يقوم آنذاك بزيارة إلى تلك المناطق. كما كانت هناك في أغسطس 2019م، زيارة أخرى قام بها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السيد محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل الثاني لمقديشو التقى خلالها برئيس الوزراء الصومالي المُقال السيد حسن علي خيري، وتباحثا معا سبل تعزيز العلاقات بين البلدين وتنفيذ مشاريع تطوير البنى التّحتية في الصومال.

صراع على النفوذ في الصومال بين قطر والإمارات:
هذا التعزيز للعلاقات بين الدوحة ومقديشو أدّى إلى احتدام صراع النفوذ في الصومال بين الإمارات وقطر، وتحويله -أي الصومال- ربما إلى ساحة حرب بالوكالة بين الطرفين، حيث إن تقريرا نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في منتصف يوليو 2019م جاء فيه بأن قطر متورّطة بالتفجيرات التي تشهدها المدن الصومالية وذلك للتأثير على مصالح الإمارات العربية في الصومال.
وقد أثار هذا التقرير زوبعة سياسية في الأوساط الاجتماعية والسياسية الصومالية، مما كلّف لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفيدرالي استدعاء وزير الخارجية الصومالي ومساءلته عن مدى علمه بالقضيّة، والّذي بدوره برّأ الحكومة القطرية عما جاء في تقرير نيويورك تايمز، مشيرا إلى أنّ قطر تشارك في عمليّات إعادة الصومال وبنائه من جديد.
وبالمقابل كانت هناك تقارير إعلامية نشرتها الصحافة التركية تشير إلى تورّط الإمارات في التفجير الدموي بإكس كنترول في مقديشو الّذي وقع في 28/ديسمبر/2019م، والّذي كان من بين قتلاه بعض المهندسين الأتراك الّذين يشرفون على تعبيد الطريق. ورغم أن حركة الشباب تبنت مسؤولية هذا الهجوم، إلاّ أن شكوكا تولّدت لدى المواطن الصومالي عندما نشر جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي على حسابه في تويتر بعد أيام من التفجير من أن الجهاز توصّل في تحقيقاته الأولية حول الحادث إلى أن أطرافا خارجية لها دور كبير في ذلك التفجير الدموي والّذي راح ضحيته حوالي 100 شخص أغلبهم من المدنيين الصوماليين، غير أن الجهاز لم يتناول في تغريدته تلك اسم أيّ دولة بعينها، إلاّ أن تلك التغريدة ربما كانت بمثابة دليل لصحة ما تناقلته الصحافة التركية من أن الإمارات متورّطة في ذلك الهجوم، لما بين الصومال وتركيا من علاقات تعاونية في مجالات شتّى من بينها المجال الأمني والعسكري.


وختاما، فإنّ الأزمة الخليجية قد تركت آثارها السلبية على الصومال التي كانت وما زالت في أمسّ الحاجة إلى دعم أشقائها المجتمعين في الخليج العربي، غير أن انتهاج عدّة سياسات خاطئة وغير مناسبة من قبل الصومال والإمارات معا أدّت إلى جرّ البلاد إلى صراع عائلي قد كان يمكن الابتعاد عنه لو اتُّبعت سياسات رشيدة من قبل الطرفين، إلاّ أن ذلك لم يحدث، وعليه فإنه يجدر بالقوى الوطنية والسياسية الصومالية عدم التمادي في تعميق الهوة بين الصومال والدول الخليجية، وعليه يتحتم على الأطراف الصومالية بذل جهودها وتكثيفها من أجل إبقاء الصومال على الموقف الحيادي الإيجابي تجاه الأزمة، ليكون الصومال بذلك من ضمن الدول المؤهلة والساعية لإنهاء الأزمة الخليجية التي دخلت عامها الرابع، مخلفة وراءها شرخا اجتماعيا وسياسيا وإنسانيا في تركيبة المجتمعات الخليجية والمجتمعات المحيطة بها.