الرّئيس فرماجو وحلم انتخابه من جديد في الانتخابات الرئاسية المقبلة

تمهيد:
من المقرر أن تشهد الصومال أواخر هذا العام 2020م، أو أوائل عام 2021م، الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستسمح للبلاد بتداول سلمي للسلطة. غير أنه حتى الآن من غير الواضح نوع الانتخابات التي ستشهدها البلاد، إذ إن هناك جدل بين الرئاسة الصومالية إلى جانب رئاسة البرلمان، وبين القوى السياسية في البلاد مثل الولايات الإقليمية، والأحزاب السياسية المعارضة، فبينما تتمسك الرئاسة بإمكانية إجراء انتخابات “صوت واحد لشخص واحد” ترى القوى المعارضة إلى جانب الولايات الإقليمية أنه من غير الممكن إجراء هذا النوع من الانتخابات، وبالتالي لا بدّ من توافقي سياسي حول نوع الانتخابات التي ستخوضها الصومال العام القادم، ولأجل النقاش حول هذه القضية كان مؤتمر طوسمريب التشاوري بوجهيه الأول والثاني في يوليو/2020م، بينما يتوقّع الوصول إلى تفاهم حول هذه القضية في الوجه الثالث من مؤتمر طوسمريب التشاوري بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية.
وكالعادة، فإنه ومع الاقتراب من موعد الانتخابات في البلاد، فإن الأخبار المتعلّقة بهذا الشأن تتصدّر عناوين الأخبار المحلية، سواء بالحديث عن النموذج الانتخابي الّذي يليق استخدامه بالانتخابات المقبلة، أو بتناول المرشحين وعرض حظوظهم وفرصهم في الانتخابات القادمة، وذلك استشرافا للمستقبل، ولخلق رأي عام حول الانتخابات ومتعلّقاتها.
وعليه فإننا نسلّط الضوء في هذه المقالة على السيد محمد عبدالله فرماجو الرئيس الصومالي الحالي، محاولين الكشف عن الفرص التي تمكّن عودته من جديد والتحديات التي ربما تحول دون تحقيق حلمه في العودة إلى القصر الرئاسي الصومالي في فترة رئاسية ثانية.
محمد عبدالله فرماجو وحلم العودة إلى القصر الرئاسي:
محمد عبدالله محمد فرماجو، من مواليد مايو 1962م، تقلّد منصب رئيس الوزراء الصومالي في أكتوبر 2010م، غير أنه لم يمكث طويلا في هذا المنصب إذ تمت استقالته في 2011م على أعقاب أزمة سياسية كانت بين شريف شيخ أحمد الّذي كان رئيسا انتقاليا للبلاد آنذاك، وشريف حسن شيخ آدم الّذي كان رئيس البرلمان الانتقالي الفيدرالي الصومالي آنذاك.
وفي 8/فبراير/2017م، تم انتخاب محمد عبدالله فرماجو من قبل البرلمان الفيدرالي الحالي رئيسا للصومال محققا بذلك ما أخفق تحقيقه في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد في 2012م، والتي فاز فيها حسن شيخ محمود بأن يكون رئيسا للبلاد.
فرص عودة الرئيس فرماجو في الانتخابات المقبلة:
على الرغم من أن الرئيس محمد عبدالله فرماجو لم يعلن حتى الآن استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها أوائل عام 2021م، فإنّه في حال إعلان ترشحه لذلك وخوضه الانتخابات القادمة كمرشح وحيد للحزب الحاكم فستكون هناك عدّة فرص تساعده على العودة إلى القصر الرئاسي من جديد، ومن هذه الفرص:
1. التأييد الشعبي الّذي يحظى به: يتمتع السيد محمد عبدالله فرماجو بتأييد شعبي لا بأس به، اكتسبه خلال توليه منصب رئيس الوزراء في 2010م، وما حقق من إنجازات خلال تلك الفترة والمتمثلة بتنظيم الجيش ودفع مستحقاته من الرواتب والأعطيات، إلى جانب شنّ حكومته حربا على حركة الشباب، مما أدّى إلى انسحاب الحركة من مناطق سيطرتها في الصومال وخاصة في مدينة مقديشو العاصمة التي كانت الحركة تسيطر على أجزاء واسعة منها عشية تقلّد فرماجو منصب رئاسة الوزراء في الصومال، بالإضافة إلى ذلك ما اكتسب من تعاطف شعبي بعد إزاحته من رئاسة الوزراء بطريقة بدت لكثيرين بأنها كانت ظالمة ومجحفة، ورغم أنّه لن يكون هناك – كما يبدو حتى الآن- تصويت شعبي، إلاّ أنه من الممكن أن يساهم هذا التأييد الشعبي له في التأثير على الناخبين فيصوّتوا لصالحه من جديد، فيكون بذلك رئيسا للبلاد في السنوات 4 القادمة.
2. تنصيب موالين للحكومة الفيدرالية على بعض الولايات الإقليمية: بذلت الحكومة الفيدرالية جهدا جبارا في تشكيل إدارة موالية لها في الولايات الإقليمية، ليسهل لها حلم العودة من جديد، وفي هذا المضمار حققت الحكومة نجاحا كبيرا في تشكيل إدارتين إقليميتين مهمّتين، هما ولاية جنوب غرب الصومال وولاية غلمذغ، كما استطاعت هذه الحكومة أن تتصالح مع ولاية هيرشبيلي وتضمها إلى صفّها، غير أنها أخفقت في التصالح مع ولايتي جوبالاند وبونتلاند اللتان يمثّلان معادلة سياسية قوية في الصومال. ومع ذلك فإنه إذا لم يحدث خلل سياسي ما في هذه الولايات الثلاث الموالية للحكومة الحالية، فمن الممكن أن يساهم ذلك في تحقيق حلم عودة الرئيس الحالي مرّة أخرى إلى سدّة الحكم في البلاد، إذ إنّ أعضاء البرلمان الفيدرالي سيتم تعيينهم وانتخابهم من قبل الولايات الإقليمية والّذي بدوره –أي البرلمان- سينتخب الرّئيس القادم مما يعني أن الإدارة الإقليمية الموالية للحكومة سيكون لها تأثير في النواب الّذين سيمثلونها في البرلمان الفيدرالي.
3. يحظى بدعم إقليمي واسع: إنه من الملاحظ جدّا أن الرئيس الحالي يتمتع بدعم إثيوبي وإرتيري سخي لا يقتصر فقط على الدّعم العسكري المتمثل في القوات الإثيوبية الموجودة في الصومال، سواء كانت هذه القوات ضمن قوات بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال أو المنفصلين عنها، بل يشمل الدّعم الإثيوبي والإريتيري للرئيس الحالي تحالفا سياسيا ودعما استراتيجيا لوجيستيا، لكون الزعماء الثلاثة في كل من إثيوبيا وإريتيريا والصومال يمتلكون رؤية سياسية موحّدة في معالجة قضايا القرن الإفريقي، مما يعزز احتمالية توفير دعم سياسي وحتى عسكري للرئيس الحالي ليتمكّن من العودة إلى القصر الرئاسي الصومالي عبر صناديق الاقتراع.
إلى جانب تلك الفرص، هناك جملة من العوائق والتحدّيات التي قد تكون حائلا لتحقيق حلم عودة الرئيس فرماجو إلى القصر الرئاسي، ومن هذه التحدّيات:
1. العرف الانتخابي الصومالي المتمثل في عدم عودة القادة السابقين: من المعروف سياسيا في تاريخ الانتخابات الرئاسية في الصومال منذ الاستقلال، عدم عودة الرّئيس السابق إلى الحكم في ولاية ثانية، ورغم أن ذلك ليس منصوصا في قانون الانتخابات الصومالية ولا في الدّستور الانتقالي الصومالي، إلاّ أنه واقع تشهده الساحة السياسية الصومالية، ولعله يرجع إلى شخصية المواطن أو الناخب الصومالي الّذي يحب دائما الوجوه الجديدة، ويعقد عليها الأمل الكبير لإحداث التغييرات السياسية في هذا البلد. وعليه فإنه ووفقا لهذا العرف الانتخابي فمن الصعب عودة الرئيس الحالي، وبالتالي سيكون هذا العرف بمثابة تحدّي يحول بين فرماجو وحلم عودته إلى القصر الرئاسي.
2. تراجع شعبيته في الأوساط الاجتماعية: لقد تراجعت شعبية فرماجو لدى شعبه بعد تورّطه أو تورّط إدارته في عدة قضايا سياسية ووطنية حساسة أدت إلى تراجع شعبيته في الأوساط الصومالية، ومن أهم القضايا التي ساهمت في تراجع شعبيته: قضية تسليم المناضل الصومالي عبدالكريم شيخ موسى (قلب طغح) إلى إثيوبيا بتهمة الإرهاب، طريقة تشكيل إدارة موالية للحكومة الفيدرالية في ولاية جنوب غرب الصومال وما رافقها من إراقة دماء أبرياء في تلك المنطقة واعتقال بعض المرشحين، كيفية تعاطي إدارته مع الأزمة السياسية مع إدارة جوبالاند وما تبعها من فرض حصار على مدينة كسمايو لإخضاع أحمد مذوبي، استمرار إغلاق الطرق في العاصمة الصومالية وما نتج عنه من انهيار للاقتصاد الصومالي وتعذّر لتواصل الأفراد في المدينة وخارجها، كل هذا من الأسباب التي أدّت إلى تراجع شعبية الرئيس والتي عبّر عنها بعض مناوئي سياساته في تنظيم مظاهرات ضدّه في كلّ من العاصمة مقديشو ومناطق أخرى في ولاية جوبالاند. وكلّ هذا دليل على تراجع شعبيته ومن ثم قد يكون هذا عائقا من العوائق التي تقف أمام الرئيس الحالي للعودة إلى سدّة الحكم في ولاية رئاسية ثانية.
3. دوره في عملية سحب الثقة عن رئيس وزراء الحكومة الفيدرالية: في 25/يوليو/2020م، وبعد يومين من اختتام أعمال الوجه الثاني لمؤتمر طوسمريب، أقدم البرلمان الصومالي على خطوة مثيرة للجدل تتمثل في عملية سحب الثقة عن حسن علي خيري رئيس الوزراء الصومالي منذ 23/فبراير/ 2017م، ويرى كثير من المتابعين أن الرئيس فرماجو كان له دور في هذه العملية، إذ يستندون في ذلك إلى سرعة إعلان الرئيس تقبله واحترامه لقرار البرلمان القاضي بعزل حسن علي خيري، والتي رأى البعض فيه مخالفة لدستور البلاد وخرقا واضحا للوائح الداخلية للبرلمان، وانتهاكا صارخا على جميع قوانين البلاد وتشريعاتها، مما يجعل هذه العملية مشابهة إلى حدّ كبير من حيث الإجحاف والظلم، طريقة استقالة الرئيس الحالي فرماجو عن منصبه كرئيس للوزراء في الصومال عام 2012م، والتي بسببها نال على التعاطف والتضامن الشعبي الّذي مهّد له الفوز بانتخابات الرئاسة الصومالية في 2017م. وعليه فإن هذه الخطوة من شأنها أن تقلل من فرص نجاحه بالعودة إلى القصر الرئاسي من جديد.
ومع أن ما قدّمناه يمثل قراءة تحليلية واستشرافية لما سيكون عليه الحال في الانتخابات القادمة وفقا للمعطيات والقرائن المتوفّرة لدينا، إلاّ أنّه ليس غريبا حدوث أشياء لم نضعها في الحسبان، إذ إنه وارد وممكن حدوث مفاجآت في السياسة، وخاصة في السياسة الصومالية التي لم تعرف الاستقرار بعد.

admin

Read Previous

متى يتم الإعلان عن شركات استخراج النفط الصومالي؟

Read Next

الأزمة الخليجية وتأثيراتها على الأوضاع في الصومال

Send this to a friend