تشهد منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، تحوّلات أمنية وإستراتيجية ودبلوماسية، منذ إعلان الاحتلال الصهيوني في الـ26/ديسمبر- كانون الأول/2025م، اعترافه غير القانوني بإقليم شمال غرب الصومال الانفصالي، الأمر الّذي رفضته الحكومة الفيدرالية وكثير من الدّول العربية والإسلامية، والمنظمات الإقليمية والدّولية التي أعربت عن تضامنها الكامل مع حماية الوحدة الصومالية وتنديدها لمحاولات العدو بانتهاك سيادة الصومال وتقسيم أراضيه وتمزيق وحدته.
الصومال والإمارات:
وقّعت الصومال مع الإمارات منذ 2023م مذكّرات تفاهم للتعاون في مجالات عديدة أبرزها المجال الأمني والدّفاعي، غير أن هذه الشراكة لم تستمر بسبب سوء الاستغلال من الطرف الإماراتي حسبما ذكرته الحكومة الفيدرالية الصومالية التي أبطلت مفعول هذه الاتّفاقيات.
قرار صومالي بإيقاف جميع أشكال التّعاون الأمني والدّفاعي مع الإمارات:
في الـ12/يناير-كانون الثاني/2026م، قرّر المجلس الوزراي الصومالي في اجتماع يرأسه السيد صالح أحمد جامع، النائب الأول لرئيس الوزراء الصومالي إلغاء جميع الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم المتعلّقة بمجالي الأمن والدفاع الموقّعة مع دولة الإمارات العربية المتّحدة.
ووفقا لبيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الصومالي فإن القرار يشمل اتفاقيات التعاون التي بموجبها تتواجد الإمارات في موانئ البلاد مثل: بربرا، بوصاصو، وكسمايو.

دواعي القرار وأسبابه ومبرّراته:
أوضح البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الصومالي أن القرار جاء نتيجة لتقارير وأدلة قوية تثبت اتّخاذ الجانب الإماراتي خطوات مضرّة بالسيادة والوحدة الوطنية الصومالة واستقلالها السياسي، لتوضّح الحكومة الصومالية في قرارها هذا مسؤوليتها وحقوقها السيادية على أراضيها وموانئها وشؤونها الأمنية وعلاقاتها الخارجية.
وعلى الرّغم من أن الحكومة الصومالية لم تذكر نوعية الانتهاكات التي ارتكبتها الإمارات في حق الصومال، إلّا أن تقارير إعلامية متداولة تشير إلى تورّط الإمارات في تهريب الانفصالي عيدروس الزبيدي من اليمن إلى إقليم شمال غرب الصومال الانفصالي، بحرا ومنها إلى مقديشو جوّا، ومن ثم من مقديشو إلى الإمارات جوّا، مما يعكس الاستغلال السيّء لعلاقات التعاون مع الصومال، واستفادة غير أخلاقية من النية الحسنة للحكومة الصومالية الفيدرالية وثقتها في الإمارات.
كما أن هناك تقارير تشير إلى تورّط الإمارات أيضا في انتهاكات الاحتلال الصهيوني لسيادة البلاد عبر ترتيب زيارة وزير الخارجية الصهيوني التي وصل فيها سرّا إلى هرجيسا وبربرا ولقائه غير القانوني مع قادة الانفصال في شمال غرب الصومال، حيث يقول السيد النائب عبدالله فارح مري عضو مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي الصومالي في منشور له على صفحته في الفيس بوك عقب زيارة وزير الاحتلال لإقليم شمال غرب الصومال: “زيارة وزير الكيان المحتل للانفصاليين في الصومال خطوة استفزازية للقانون الدولي، وتهديد مباشر للأمن القومي العربي. والمؤلم أن دولة الإمارات هي عرّاب هذه العربدة الصهيونية في المنطقة، وقد سخرت منظومتها كلها لخدمة مشروع تقسم الصومال وبإذن الله سنقوض مشروعها الإجرامي كما فعلت السعودية في اليمن“، في إشارة منه إلى ما جاء في بيان الخارجية السعودية الصادر في أواخر ديسمبر/2025م، والّذي وصف التحرّكات الإماراتية في اليمن بأنها “بالغة الخطورة ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن ولا تخدم جهوده في تحقيق أمن اليمن واستقراره… مشدّدة في الوقت نفسه على أهمية استجابة الإمارات لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربعة وعشرين ساعة… وأن تتخذ دولة الإمارات الشقيقة الخطوات المأمولة للمحافظة على العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين والتي تحرص المملكة على تعزيزها، والعمل المشترك نحو كل ما من شأنه تعزيز رخاء وازدهار دول المنطقة واستقرارها”.
بالإضافة إلى ذلك كانت هناك على مدار أعوام مضت أنباء متداولة وتقارير دولية بشأن سوء استخدام إماراتي لقواعد عسكرية ومطارات في الصومال تهدّد أمن المنطقة بدءا من السودان، مرورا باليمن، ووصولا إلى الصومال، الأمر الّذي أقضّ مضاجع الكثيرين من أبناء الصومال الّذين ما فتؤوا عن الدّعوة إلى مراجعة الاتفاقيات والمذكّرات الموقّعة مع الإمارات وتهذيبها حماية لسيادة الدولة الصومالية وصونا لعلاقاتها الإيجابية المتعدّدة مع الدّول المتضرّرة بالتصرّفات الإماراتية غير المسؤولة.
لماذا تأخر القرار الصومالي بشأن الانتهاكات الإماراتية؟
يأتي هذا القرار في سياق الرفض الصومالي لانتهاك سيادته الوطنية وتهديد وحدة أراضيه وتماسك شعبه، كما هو مبيّن في البيان الصادر عن الحكومة الفيدرالية الصومالية، وكما جاء في الكلمة المتلفزة الموجّهة للشّعب الصومالي والتي ألقاها السيد الدّكتور حسن شيخ محمود، رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية في اليوم التالي لصدور القرار الوزاري الصومالي، حول الجهود الصومالية لمواجهة انتهاكات الاحتلال الصهيوني لسيادة البلاد ووحدة أراضيه وشعبه، مشيرا إلى أنّه في سياق حماية السيادة الوطنية جاءت قرارات المجلس الوزاري الصومالي بشأن اتفاقيات التعاون مع الإمارات العربية المتّحدة، قائلا: “… كان من الضروري -أيضا- اتّخاذ قرارات تمسّ باتفاقيّاتنا مع بعض الدّول، وذلك بعدما رأينا أنها لا تخدم لوحدة البلاد وتماسك شعبه واستقلال دولته، وكما تعلمون، فقد قرّر المجلس الوزاري أمس (الـ12/يناير-كانون الثاني/2026م) إبطال جميع الاتّفاقيات التي وقّعتها الصومال مع الإمارات العربية المتّحدة، بما فيها الاتفاقيات المعنية بالشؤون الاقتصادية والأمنية والدّفاعية الثنائية المذكورة في القرار الصادر عن المجلس الوزاري الصومالي“.
وفيما يتعلّق بأسباب القرار وتأخّره، قال السيد الرّئيس: “إنّه من المؤكّد أن كثيرا من النّاس يتساءلون عن أسباب إبطال الحكومة الصومالية لاتّفاقياتها مع دولة الإمارات العربية المتّحدة. وهنا أودّ أن أوضّح للشّعب الصومالي أن علاقتنا مع دولة الإمارات العربية المتّحدة كانت جيّدة، تبنّيناها من طرفنا بحسن نية، لكن لسوء الحظ، لم تتعامل دولة الإمارات العربية المتّحدة معنا كدولة واحدة مستقلة، وبالرّغم من ذلك لم نتسرّع، بل طلبنا مرارا وتكرارا من دولة الإمارات التعامل معنا كدولة واحدة مستقلة ومسؤولة، وإيقاف البوابات الأخرى غير القانونية التي تدخل عبرها إلى البلاد والامتناع عن قيامها وتنفيذها في بعض الأحيان في داخل الصومال أمورا لا تعلمها الحكومة الفيدرالية الصومالية، وهي خطوات تنتهك السيادة الوطنية الصومالية، وبعد طول تأمل وتقييم، كان لزاما اتّخاذ القرارات الصادرة أمس (12/يناير-كانون الثاني/2026م)، دفاعا لمصالح وطننا وسيادة دولتنا وحماية وحدة أراضينا، وذلك بعدما تأكّد لنا أن استمرار صلاحية هذه الاتّفاقبات والتعاون مع الإمارات يشكّل خطرا على وطننا…”.
الشارع الصومالي وتفاعله مع القرار الحكومي ضدّ الإمارات:
رحّب قطاع عريض من الشعب الصومالي بالقرار الحكومي الموجب بإلغاء اتّفاقيات التعاون مع الإمارات، ووفقا لاستطلاعات أجرته وسائل إعلام محلّية مستقلة وحكومية صومالية، فقد وصف بعض المشاركين في هذه الاستطلاعات، القرار بالسدّيد المتأخّر عن موعده، نظرا للأضرار المترتبة على الوجود الإماراتي في الصومال، واصفين دولة الإمارات بأنها عدوّ لكل ما هو تقدّم أو نهوض في المنطقة، علاوة على ذلك، فقد تضرّر أشقاء آخرون بتواجدها المريب في الصومال، حسب آراء المستطلَعين في الوسائل الإعلامية المحلّية الحكومية والمستقلّة.
هذا، وقد حاولت الإمارات سابقا إنشاء قوة عسكرية تموّلها وتديرها الإمارات منفصلة عن الجيش الصومالي، الأمر الّذي دفع الحكومة الصومالية آنذاك، إلى دمج هذه القوات بالجيش الوطني الصومالي، تفاديا لتفكيك مزعم من قبل الإمارات داخل الجيش الوطني الصومالي.
الخاتمة:
إن طرد الإمارات من الصومال واليمن يأتي في سياق حماية السيادة الوطنية، ومواجهة خطر التقسيم والتمزيق للبلدين العربين، لما في ذلك من أخطار تهدّد أمن الدولتين واستقرار منطقتي البحر الأحمر والقرن الإفريقي اللتين تشكّلان امتدادا للأمن القومي العربي والإسلامي، وبالتالي فإنّ المرحلة الجديدة التي تمر بها المنطقة تتطلّب جهدا مشتركا ودعما قويا للدّولتين الصومالية واليمنية يمنحهما قدرة التصدّي لأن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب بين قوى إقليمية ودولية تهدد مصالح العالم العربي والإسلامي في هذه المنطقة، وهو ما بدأت به الدول العربية والإسلامية وعلى رأسها السعودية ومصر وتركيا بوقوف هذه الدّول مع الصومال في حماية سيادته الوطنية والحفاظ على وحدة أراضيه وتماسك شعبه، وتوقيع اتفاقيات ومذكّرات تفاهم في مجالات متعدّدة.