لقراءة التقرير بصيغة البي دي إف، اضغط تحالف جديد
اجتمع في العاصمة الإرتيرية “أسمرة” الخميس الماضي الـ10/أكتوبر-تشرين الأول/2024م، بدعوة من الرئيس الإرتيريي إسياس أفورقي، رؤساء دول الصومال، السيد الدّكتور حسن شيخ محمود، إرتيريا، الرئيس إسياس أفورقي، وجمهورية مصر العربية، الجنرال عبدالفتاح السيسي، وذلك للتشاور حول مسائل إقليمية ودولية حيوية.
وناقش الرؤساء بعمق خلال قمتهم قضايا: الأزمة في السودان وتداعياتها الإقليمية، الوضع في الصومال على ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة، الأمن والتعاون بين الدول الساحلية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب في سياق أهميته القصوى كممر بحري حيوي، وآليات التنسيق الدبلوماسي والجهود المُشتركة بين الدول الثلاث.
وأكّد الرؤساء خلال قمتهم، على ضرورة الالتزام بالمبادئ والركائز الأساسية للقانون الدولي باعتبارها الأساس الذي لا غنى عنه للاستقرار والتعاون الإقليميين، خاصًة الاحترام المُطلق لسيادة واستقلال ووحدة أراضي بلدان المنطقة، والتصدي للتدخلات في الشئون الداخلية لدول المنطقة تحت أي ذريعة أو مُبرر، وتنسيق الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وخلق مناخ موات للتنمية المُشتركة والمُستدامة.
أهداف التحالف الجديد:
من الأهداف المعلنة للتحالف حسبما تم استنباطه من البيان المشترك الصادر عن هذه القمة: تطوير وتعميق التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث من أجل تعزيز إمكانات مؤسسات الدولة الصومالية لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، وتمكين الجيش الفيدرالي الصومالي الوطني من التصدي للإرهاب بكافة صوره، وحماية حدوده البرية والبحرية، وصيانة وحدة أراضيه.
علاوة على ذلك، فإن لهذا التحالف، قد تكون له أهداف أخرى غير المعلنة في البيان المشترك، ذلك أن توقيته يتزامن مع وقت تشهد فيه المنطقة توتّرات دبلوماسية وسياسية، أدّت إلى قطع العلاقات بين بعض دوله، مثل الصومال وإثيوبيا من جانب، وإرتيريا وإثيوبيا من جانب آخر، مصر وإثيوبيا من جهة، ففيما يتعلّق بالعلاقات الصومالية الإثيوبية فإنها تدهورت منذ توقيع “أديس أبابا” مذكرة تفاهم غير قانونية مع إدارة صوماليلاند الانفصالية تسمح لها الوصول العسكري والتجاري إلى أجزاء من الساحل الصومالي دون موافقة من الحكومة الفيدرالية الصومالية، الأمر الّذي رفضته الصومال واعتبرته انتهاكا صارخا لسيادتها وتهديدا وتدخلا مباشرا لوحدة شعبها وسلامة أراضيها.
وفيما يتعلّق بالعلاقات الإرتيرية الإثيوبية التي تحسّنت في 2018م، بعد وصول آبي أحمد، إلى السلطة، إلا أنها تدهورت في أعقاب الحرب على إقليم تيغراي الإثيوبي، الّذي يقال عنه أن القوات الإرتيرية شاركت فيه إلى جانب القوات الإثيوبية في هذه الحرب، لكنها لم ترض بطريقة التسوية التي اتبعتها “أديس أبابا” وبالتالي رفضت سحب قواتها من إثيوبيا، حسبما تداولته تقارير دولية وإقليمية. ثم إن إرتيريا هي الأخرى انزعجت من الممارسات والسياسات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري، وبالتالي اتّخذت إريتيريا خطوات تراها مناسبة لمواجهة الأطماع الإثيوبية نحو البحر الأحمر، فأوقفت رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية من وإلى إرتيريا، في حين تناقلت وسائل إعلام هذه الأيام، أن إرتيريا قطعت التواصل الهاتفي مع إثيوبيا.
أما العلاقات المصرية الإثيوبية فإنها متدهورة بسبب أزمة سدّ النهضة، الّذي تعتبره مصر، بأنه يضيق عليها حصتها من مياه النيل، وتعثّرت محادثاتها مع إثيوبيا سواء قبل بناء السد وبعده وتشغيله.

القاسم المشترك بين أعضاء التحالف الجديد:
إن القاسم المشترك بين أعضاء هذا التحالف الانزعاج عن الممارسات الإثيوبية في المنطقة، وخاصة أطماعها التوسعية نحو البحر الأحمر، الّذي يعتبر موردا مائيا للدول الثلاث: الصومال، إرتيريا، والصومال، وبالتالي، ترى هذه الدّول أنه من الضروري المواجهة الموحدة للخطر الإثيوبي المحدّق بهم والمهدّد لأمن المنطقة واستقرارها، حسب صناع القرار في هذه الدول؟
ماذا يعني هذا التحالف للصومال؟
يعدّ تشكّل هذا التحالف نصرا دبلوماسيا آخر، ينضم إلى الانتصارات الدّبلوماسية التي حقّقتها الصومال، منذ اندلاع أزمتها الحالية مع الصومال، مما قد يدفع إثيوبيا إلى التراجع عن موقفها إزاء مذكّرة التفاهم غير القانونية، خاصة بعد انطلاق سفينة التنقيب التركية واتّجاهها نحو السواحل لتنقيب النفط عنها.
تحالفات المنطقة خلال السنوات الأخيرة:
إن الاضطرابات والتحولات الأمنية والجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي، تدفع دوله والمهتمين بالمنطقة، بإنشاء تحالفات وكيانات آنية، لمواجهة التحدّيات المليئة في الإقليم.
وانطلاقا من ذلك، تبنى آبي أحمد، بعد وصوله إلى سدّة الحكم في إثيوبيا، سياسة انفتاحية للتقريب بين وجهات نظر دول المنطقة، وتخفيف حدّة الخلافات بينها، وخاصة بين دولته إثيوبيا والدول المجاورة لها.
وفي 2021م، ظهرت ملامح تشكّل تحالف أمني ثلاثي يضم كلا من: إثيوبيا، إرتيريا، والصومال، لكن القوى السياسية المعارضة في هذه البلدان، عبّرت حينها عن تخوّفها لأهداف هذا التحالف التي بدت لهم كأنها تكريس للحكم الديكتاتوري وقضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة في كلّ من إثيوبيا والصومال، مما قد يسبب دخول المنطقة في صراعات سياسية عرقية وإثنية قد تقضي على كل سبل العيش ومظاهر الحياة فيها، غير أن هذا التحالف لم يعمّر طويلا، ربما بسبب تغيّر نظام الحكم في الصومال، نتيجة الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2022م، والتي أتت بالسيد الدّكتور حسن شيخ محمود، رئيس الصومال الحالي إلى سدّة الحكم في بلاده.
وفي الـ1/فبراير-شباط/2023م، انعقد في العاصمة الصومالية “مقديشو” قمة رباعية لدول المنطقة: الصومال، جيبوتي، كينيا، وإثيوبيا، لمناقشة الحرب على “الشباب” ومشاركة هذه الدول فيها عبر تخطيط مشترك لحملة عملياتية قوية منظمة على مستوى دول الجوار الصومالي (الخط الأمامي) لمطاردة “الشباب” وتدميرهم في جبهات متعدّدة تستهدف معاقل الحركة في جنوب ووسط الصومال لمنع أي تسلل لعناصر “الشباب” في المستقبل إلى دول المنطقة، وتشكيل آلية عمليات مشتركة تنسق القدرات الشاملة للعمليات ومضاعفاتها بهدف ردع العدو وهزيمته، حسبما جاء في البيان الختامي لهذه القمة.
هذا، ويختلف التحالف الجديد عن التحالفات السابقة، في التوقيت والقاسم المشترك بين أعضائه، الّذين يواجهون، ما يمكن وصفه بالتهديد الإثيوبي المباشر لمواردهم المائية، في وقت تشهد المنطقة توتّرات مختلفة، من شأنها أن تزعزع أمن المنطقة واستقرارها، ما لم تحتكم دوله إلى صوت الحكمة والعقل الرشيد، وتحترم سيادتها على بلدانها بدون تدخل في شؤونها الدّاخلية، وخلق جو منفتح ملائم للتعاون في تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية في المنطقة وفق الأعراف والقوانين المحلية والدّولية.