تسير الانتخابات النيابية الصومالية في كل الولايات الإقليمية بانتظام، رغم ما يشوبها من طعون وانتقادات تشكّك في التزامها بالشفافية والنزاهة، حيث تتعالى أصوات هنا وهناك تعلن تعرّضها لانتهاكات وتعدّيات حالت بينها وبين حقّها في ممارسة الحق الانتخابي سواء كان ترشحا أو تصويتا أو تعيينا للناخبين، غير أنه يبدو حتى الآن أن ذلك لم يغير شيئا ملموسا من طريقة سير العملية الانتخابية، حسبما صرّح بذلك – قبل أسبوعين تقريبا- السيد عثمان محمود شاتح رئيس منظمات المجتمع المدني، عندما قال في مقابلة له مع فضائية يونيفرسل الصومالية أواخر يناير 2022م: “ليس هناك فرق بين الطريقة التي تسير عليها الانتخابات حاليا، وبين الطريقة السابقة، إذ لا يتم حتى الآن تنفيذ الاتفاقيات بشكل صحيح، تنعدم الشفافية والنزاهة في انتخابات بعض الدوائر الانتخابية، في حين يتم تحديد تحرّكات الناخبين في مناطق أخرى … كنا نعتقد أن توصياتنا قد تكون موضع احترام وتقدير، وإن لم نكن نعتقد بشكل جازم أنه يتم تطبيقها بشكل كامل، لكن الطريقة التي تسير عليها الأمور حاليا ليست حتّى في صالح الحكومة القادمة”.
وبعيدا عن تقويم مدى شفافية العملية الانتخابية ونزاهتها، يلاحظ انضمام متزايد من قبل ضباط الجيش الصومالي إلى قبة البرلمان الصومالي، على عكس ما كان متعارفا عليه في السنوات الماضية، حيث كان معظم أعضاء البرلمان في السابق من مدنيين لديهم خبرات تشريعية أو قانونية، وبعض الجنرالات القدامى الّذين كانت لديهم خبرات سياسية وعسكرية بحكم الفترة الزمنية الطويلة التي قضوها في المؤسسات الحكومية.
اُنتُخب يوم أمس السبت في مدينة طوسمريب حاضرة ولاية غلمذغ السيد محمد أبوبكر علي (جعفر) محافظ مديرية داينيلي بمقديشو، عضوا في مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي الحادي عشر بعد حصوله على 100 صوت أهّلته بالقوز بالمقعد البرلماني الموسوم بـ 025 المنحدر من ولاية غلمذغ.
ويعدّ جعفر أحد ضبّاط الجيش الصومالي الّذين قادوا في أبريل 2021م، قوات الإنقاذ الوطني الرافضة للتمديد الإداري الّذي صادق عليه مجلس الشعب بالبرلمان المنتهية ولايته وبإيعاز من الرّئيس المنتهية ولايته السيد محمد عبدالله فرماجو.
وقبله كان الجنرال صادق عمر حسن (صادق جون) قد فاز بمقعد برلماني منحدر من ولاية غلمذغ وسط الصومال، وقد شغل الجنرال صادق جون منصب قائد شرطة محافظة بنادر حتى أبريل 2021م، ثم تمت إقالته غداة الـ12/أبريل/2021م، بعد إعلانه لإلغاء الجلسة البرلمانية التي تم فيها التمديد الإداري، مبرّرا خطوته تلك بتفادي حدوث اضطرابات وقلاقل أمنية في العاصمة مقديشو، بسبب التمديد، وقد وقع ما كان يحذر منه، إذ شهدت مدينة مقديشو في الـ 25/أبريل/2021م، مواجهات مسلحة بين الجيش الصومالي الّذي انقسم إلى مؤيّد لقرار التمديد ورافض له.
ومن الضباط الّذين انضموا إلى البرلمان العقيد ياسين عبدالله محمود (ياسين فري)، الرئيس المؤقت لجهاز المخابرات والأمن الوطني، حيث تم انتخابه في طوسمريب ليمثل في البرلمان عشيرته صاحبة المقعد البرلماني الموسوم بـ 067، لكن انتخابه أثار جدلا واسعا بين الإدارة والعشيرة التي رفضت طريقة انتخاب ياسين فري، ومن ثم قدّمت شكوى إلى لجنة فض النزاعات الانتخابية التي قرّرت بعد أسبوع تقريبا صحة الإجراءات المتبعة في انتخاب ياسين فري عضوا في مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي الحادي عشر القادم.
بالإضافة إلى هؤلاء، ترشح الضابط عبدالله آدم كُلني جيس، المدير السابق لموظفي جهاز المخابرات الصومالي وأحد أقوى قياداته، للمقعد البرلماني الموسوم بـ 040 المنحدر أيضا من ولاية غلمذغ، مما يجعل هذه الولاية أكثر الولايات الإقليمية تقديما للضباط في تمثيلها بمجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي الحادي عشر القادم.
إن ظاهرة انضمام الضباط إلى البرلمان الفيدرالي شدّت انتباه المتابعين، وأضحت مادة تندّر وتفكّه في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أنتج نشطاء مقاطع مرئية من الدراما القصيرة التي ستتنبأ بما سيكون عليه حال البرلمان القادم الّذي سيكون بلا شكّ مغايرا لطبيعة البرلمانات السابقة التي عرفتها الصومال منذ العقدين الأخيرين.
وهنا يتساءل متابعون عن أسباب إخلاء هؤلاء الضباط لميادينهم الأمنية والعسكرية التي خبروها طوال السنوات الماضية، والقفز مرّة واحدة من ميادين العمل وساحات القتال إلى منصات النقاش ومنابر الحوارات الساخنة بانضمامهم إلى قبة البرلمان.
في محاولة منه للكشف عن نتائج هذه الخطوة وتأثيراتها، يقول عبدالسلام غوليد النائب السابق لرئيس جهاز المخابرات في حديثه للبي بي سي: “إن عسكرة البرلمان الصومالي بانضمام ضباط من فرق الجيش المختلفة، وطريقة انضمامهم إليه، أمر خطير، وبالتالي سيقلل من صلاحيات وسلطات تمثيل هذه المقاعد، إذ إن هناك فجوة بين خبرتهم العسكرية وأعمارهم وبين المهام البرلمانية المنوطة بهم، فلو كانوا مثلا ضباطا كبارا في العمر ولديهم خبرات مديدة لما كانت هناك مشكلة، ولقاموا بأدوارهم، ربما بطريقة أحسن، في بعض المرّات، من النواب المدنيين، لكن الرجال الذين نتحدث عنهم الآن ليس لديهم كلا الأمرين، فضلا عن الطريقة غير الشفافة التي يشغلون بها هذه المقاعد”.
وهناك رأي يقول بأن هدف الضباط من الانضمام إلى البرلمان هو الرغبة في الحصول على حصانة سياسية، تمنعهم من الملاحقة القضائية لفترة معينة، إذ إن معظم هؤلاء تلاحقهم دعاوى قضائية، بينما يتخوّف الآخرون من أن تلاحقهم مثل هذه الدعاوي، وبالتالي يحاولون الاستفادة من المادة الـ 70 في الدّستور الصومالي الانتقالي التي توفّر حصانة كاملة لأعضاء البرلمان، بحيث لا يمكن اعتقال أي نائب -ما لم يكن حينها متلبسا بعمل إجرامي- إلا بموافقة مجلس النواب، ولعل ذلك هو ما يدفع هؤلاء الضباط إلى الانضمام للبرلمان الفيدرالي الحادي عشر القادم.
المصدر: مستقبل ميديا + بي بي سي الصومالية