تشهد إفريقيا منذ 2017م، عودة ملحوظة للانقلابات العسكرية التي يستولي فيها الجيش على السلطة بطرق غير دستورية تحت دعاوي وحجج واهية أو واقعية.
ويعدّ الانقلاب العسكري الذي شهدته بوركينا فاسو فجر اليوم الثلاثاء، الـ 25/يناير/2022م، أحدث الانقلابات في إفريقيا، حيث أجبر الجيش الرئيس كابوري على الاستقالة، ومن ثم احتجازه لدى الجيش حسبما تداولته وسائل إعلام غربية ومحلية.
وصفت الحركة الشعبية من أجل التقدّم التي أسسها الرئيس البوركيني المعزول، ما حدث في البلاد بانقلاب رجعي، ودعت أنصارها في كافة التراب البوركيني إلى التعبئة الفورية الشاملة من أجل إفشال الانقلاب.
وبذلك تنضم بوركينا فاسو إلى الدول الإفريقية التي عادت إليها الانقلابات خلال السنوات الخمسة الأخيرة، بدءا من الـ 21/نوفمبر/2017م، عندما دفع الجيش الزيمبابوي روبرت موغابي إلى الاستقالة بعد حوالي 37 عاما قضاها في هرم السلطة بزمبابوي.
وفي الـ 18/أغسطس/2020م، أطاح الجيش المالي بالرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا بعد عدة أشهر من أزمة سياسية، غير أن العقوبات الدولية المفروضة على النظام الانقلابي الجديد عجّلت بتشكيل حكومة انتقالية مهمتها تسليم السلطة للمدنيين خلال 18 شهرا.
وفي الـ 20/أبريل/ 2021م، أي غداة وفاة الرئيس التشادي إدريس ديبي، قام مجلس عسكري انتقالي برئاسة محمد إدريس ديبي الذي كان آنذاك قائدا للحرس الرئاسي، بحل الحكومة والجمعية الوطنية. ووعد نجل الزعيم المتوفى بمؤسسات جديدة بعد انتخابات “حرة وديمقراطية” في غضون سنة ونصف السنة.
وفي الـ 24/مايو/ 2021م، اعتقل العسكريون في مالي مرة أخرى الرئيس ورئيس الوزراء بعد تعيين حكومة انتقالية جديدة أثارت استياءهم، ونصبوا الكولونيل أسيمي غويتا في يونيو 2021م، رئيسا انتقاليا، مؤكدّين أنهم سيسلمون السلطة إلى المدنيين مع مطلع 2022م، وخاصة في فبراير لكن يبدو أن ذلك لن يحدث وفق ما هو مقرر له إذ تعاني البلاد من اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية قد تساهم في إرجاء الانتخابات عن موعدها المحدّد.
وفي الـ 5/سبتمبر/2021م، أطاح انقلاب عسكري يقوده الكولونيل مامادي دومبويا بالرئيس الغيني ألفا كوندي الّذي أُعيد انتخابه لولاية ثالثة قبل ذلك بعام تقريبا أي في أكتوبر 2020م.
في الـ 25/أكتوبر/2021م، قام الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بانقلاب عسكري على الحكومة المدنية التي كان يترأسها الدكتور عبدالله حمدوك وتم حل مجلسي السيادة والوزراء، ومع عودة حمدوك إلى رئاسة الوزراء عن طريق اتفاق سياسي مع الجيش، إلّا أن ذلك لم ينه الأزمة السياسية في السودان، فاضطر رئيس وزرائها إلى الاستقالة من جديد، لتخلو الساحة بعدها للجيش والعسكر في السودان.
هذا، وقد تضافرت عدة عوامل على عودة الانقلابات إلى أفريقيا أبرزها: غياب الحكم الرشيد، الأزمات السياسية والاقتصادية الدائمة، التدخلات الأجنبية المستمرة في التأثير على نمط الحياة في هذه الدول، كون المؤسسة العسكرية المؤسسة الوحيدة المنظمة في هذه الدول ولها القدرة على إحداث تغيير سياسي فيها.
ويرى رشيد لزرق أستاذ العلوم السياسية المغربي في حديثه لفرنس 24 أن هذه الانقلابات “موجة لن تتوقف ومحركها يظل خارجيا وفق نظرية المحيط و المركز، وهي من تداعيات تغييرات يعرفها العالم إذ إنه داخل دول المركز تتحرك خيوط اللعبة السياسية… الدول الاستعمارية السابقة لم تنه الارتباط بالنخبة الحاكمة في أفريقيا كما أن هناك العديد من المشاكل لم تحل بطريقة جذرية، وهذا ما يؤدي إلى إشعال حروب أهلية ونزاعات مسلحة بين الفينة والأخرى، والتي كانت السمة المميزة والطريق الذي يؤدي إلى السلطة في دول لا تزال تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي الذي يرجح كفة طرف على طرف آخر“.
أما جوناثان باول فيرى أن “البلدان الإفريقية لديها ظروف مشتركة للانقلابات، مثل الفقر وسوء الأداء الاقتصادي. وعندما يشهد بلد ما انقلابا، فإن هذا غالبا ما يكون نذيرا لمزيد من الانقلابات”
يذكر أنه منذ استقلال معظم دول القارة الإفريقية في أواخر خمسينات القرن الماضي شهدت القارة حوالي 200 محاولة انقلاب، نجحت منها ما يقارب النصف من هذا العدد، بينما فشل النصف الآخر، وتأتي دول مثل السودان، بورندي، نيجيريا، غانا، وبوركينا فاسو في صدارة قائمة الدول الأكثر وقوعا للمحاولات الانقلابية منذ استقلالها في أواخر خمسينات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر.