تحلّ هذه الأيّام الذّكرى الأولى لاختفاء الضابطة الأمنية إكرام تهليل فارح التي اختفت عن الأنظار في خضم مراسم الاحتفالات الوطنية لأيام الاستقلال المجيدة وذلك في عشية الـ 26/يونيو_حزيران/2021م.
بعد 17 يوما من غيابها واختفائها، اتصلت السيدة غالية محمود غوهاد والدة الفتاة إكرام تهليل بوسائل الإعلام الصومالية لتكشف للمجتمع الصومالي عن لغز اختفاء ابنتها التي كان آخر ظهور له في مساء الـ 26/يونيو_حزيران/2021م، وهي تركب من محيط مقر جهاز الأمن والمخابرات أحد السيارات التابعة للجهاز.
في حديثها لوسائل الإعلام آنذاك، ألمحت السيدة غالية محمود غوهاد إلى أن العائلة تتهم الجهاز بالتورّط في اختفاء ابنتها، طالما أنها تم اقتيادها من منزلها الواقع في محيط مقر الجهاز، وعلى إحدى وسائل النقل التابعة للجهاز، مما يعزّز شكوك العائلة إزاء تورّط الجهاز في اختفاء الفتاة.
التزم الجهاز حوالي شهرين متتاليين الصمت حيال هذه القضية، وبالتالي ساهم ذلك في تنامي الاتهامات الموجهة إليه بخصوص التورّط في هذه القضية!
وفي الـ 2/سبتمبر_أيلول/2021م، نشرت وسائل الإعلام الحكومية بيانا صادرا من جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي يفيد بأن حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة هي الجهة المسؤولة عن اختطاف الفتاة واغتيالها، غير أن الحركة نفت هذه المزاعم، قائلة في بيان صادر عنها في الـ 3/سبتمبر_أيلول/2021م: “لا نعلم شيئاً عن مقتل إكرام تهليل الموظفة في جهاز المخابرات والأمن الوطني، وقد فوجئنا وصدمنا بإلصاقنا جريمة قتلها من قبل جهاز مخابرات حكومة الردة (الفيدرالية)، كما صدم بها الشعب الصومالي أيضا“.
لم يقتنع أهالي الفتاة بتصريحات جهاز المخابرات، وبالتالي طالبوا السيد محمد حسين روبلي رئيس الوزراء آنذاك بالتدخل في هذه القضية، والّذي بدوره أمر فهد ياسين حاج طاهر رئيس جهاز المخابرات حينئذ بتقديم تقرير شامل حول هذا الملف خلال يومين فقط!
طالب فهد ياسين -بعد انتهاء المهلة المحدّدة له- بعقد اجتماع مجلس الأمن الوطني، حيث يقدّم تقريره هناك، وهو ما لم يطمئن إليه رئيس الوزراء الّذي أصدر مرسوما بإيقاف العمل عن فهد ياسين حاج طاهر في الـ 6/سبتمبر/2021م.
رفعت عائلة الفتاة دعوى قضائية ضدّ كل من فهد ياسين حاج طاهر، عبدالله كُلني جيس، وياسين فري إلى المحكمة العسكرية بتهمة تورّطهم في اختفاء الفتاة، غير أنه علمت العائلة لاحقا أن المحكمة واجهت صعوبات من قبل الجهاز أعاقت أداء مهامها بشكل سلس ومنتظم.
بعد عام من هذه القضية، وانضمام بعض المتهمين فيها إلى مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي أمثال كُلني جيس، وياسين فري، وفشل فهد ياسين في هذه الخطوة، خرج الجميع عن الصمت، وبدؤوا يتحدثون بشكل علني عن هذه القضية في مقابلات متلفزة مع بعض وسائل الإعلام المحلية!
ففي مطلع الشهر الجاري أفاد النائب ياسين فري -الرئيس المؤقت السابق للجهاز- في حديث مع فضائية صومالية بأن حركة الشباب هي الجهة المسؤولة عن اختطاف الفتاة واغتيالها دون ذكر لتفاصيل الحادث، بل صرّح بأن غاية ما وصل إليه الجهاز من تحقيقات لا يتعدى تلك المعلومات التي أدلى بها، مشير إلى أن رفض حركة الشباب لتحمّل هذه المسؤولية، جزء من حربها على الحكومة بشكل عام وعلى الجهاز بشكل خاص.
أما فهد ياسين حاج طاهر الّذي تحدّث علنا لأول مرة منذ 5 سنوات مع وسيلة إعلام، فقد اتهم كلا من السيد محمد حسين روبلي -رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال- السيد عبدالرحمن العدالة -نائب وزير الإعلام- والنائب مهد محمد صلاد -الرّئيس الجديد لجهاز المخابرات والأمن الوطني- بالتخطيط لحادثة اختطاف الفتاة واغتيالها، وذلك بالتنسيق مع مهد كراتاي القيادي في حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة!
وذكر فهد ياسين بأن الفتاة تم استدراجها من قبل عبدالرحمن العدالة لتوظيفها في مكتب رئيس الوزراء طالما كانت عاطلة عن العمل، غير أنه تم نقلها إلى حي “دار السلام” بمقديشو، ومن ثم إلى شبيلي السفلى، لينتهي بها المطاف في مدينة جلب بمحافظة حوبا السفلى حيث قُتلت هناك على يد حركة الشباب.
ويلاحظ تناقضات في تصريحات المسؤولين المتعاقبين على إدارة الجهاز أثناء ظهور هذه القضية، فبينما يُصر السيد ياسين فري الّذي كان أثناء اختفاء القتاة مدير وحدة مخابرات إقليم بناد على أن الجهاز لا يملك تفاصل حول وقوع الحادثة، يتحدّث فهد ياسين عن جهات تحيك مؤامرات وتنسق عمليات من أجل اغتيال فتاة قال عنها أنها كانت عاطلة عن العمل، مما يدعو إلى التساؤل حول دلالات اختلاف الروايتين.
ويرى كثير من المتابعين أن تصريحات فهد ياسين لا تعدو كونها لتبرئة ساحته ونقل الاتهامات إلى القيادة الجديدة للجهاز، وهو ما ألمحت إليه النائبة في مجلس الشعب غالية علي شري، التي تساءلت عما كان يمنع فهد من الإدلاء بهذه المعلومات يوم أن كان رئيسا للجهاز وكان الجميع يطالبه بالكشف عما يحيط من غموض بلغز اختفاء الفتاة إكرام تهليل فارح؟!
إن ملف إكرام تهليل فارح يحتاج إلى تحقيق مستقل نزيه، يكشف عن مصيرها، ويضمن تحقيق العدالة لها ولعائلتها، ومن ثم يعيد الثقة إلى المؤسسات الحكومية والأمنية، فهل تتحمل الإدارة الجديدة تحقيق هذه المطالب؟ ربما تكمن الإجابة في تعاطيها مع هذا الملف في الأيّام القليلة القادمة.