لم تقم سياسة الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ أثناء فترة حكمه على الكذب والخداع السياسي لتضليل الرأي العام الصومالي، بل سعى إلى تحقيق وعوده السياسية في حملته الانتخابية لعام 2012م، وبذل جهدا كبيرا لإنجازها وهو ما تحقق له إلاّ ما منعته الظروف والأوقات العصيبة التي مرّت بها الصومال.
تسبب ثقل سياسة حملته الانتخابية القائمة على 6 أعمدة رئيسية في أن يحقق حسن شيخ إنجازات عظيمة لم تحققها الحكومات السابقة واللاحقة لحكومته منذ 1991 إلى 2020م.
كان حسن شيخ يستشعر عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فكان يبتعد عن الاستغلال السلبي للسلطة، مما كان قد يسبب أزمات سياسية وأمنية، أو اتخاذ قرارات سياسية قد تؤدي إلى انقسامات قبلية واجتماعية تهدّد النسيج الاجتماعي للشعب الصومالي، أو قد تخلق عداوات سياسية خارجية للصومال.
إن الثفافة السياسية لحكومة حسن شيخ قد ساهم في مساعدة الصومال على:
- التسلّح للخروج من العهد الانتقالي: سهّلت المصادقة على الدستور الصومالي الانتقالي في أغسطس 2012م، في انتخاب حسن شيخ محمود في سبتمبر 2012م، الرئيس الصومالي الـ 8، وأوّل رئيس غير انتقالي عرفته الصومال منذ 2000م، وعملت حكومته بجدّ في استكمال الخطوات اللازمة للخروج من المرحلة الانتقالية الممتدة ما بين 2000 _ 2012م. وفي عهده استطاعت الصومال تشكيل 4 ولايات إقليمية تكون جزءا من الاتحاد الفيدرالي الصومالي، وهي: جوبالاند، جنوب غرب الصومال، غلمذغ، وهيرشبيلي، كما استطاع حسن شيخ إجراء انتخابات غير مباشرة توافقية إلى حدّ ما، وقد تحقق كل هذا بسبب سياسته المرنه، وتقديمه التنازلات من أجل المصلحة العامة للبلاد، وبناءً على هذه السياسة تحقق تشكيل الولايات الإقليمية السابقة، كما سلّط الضوء على البحث عن الطريقة المثلى لبناء جيش وطني قوي قادر على تحمل المسؤوليات الأمنية بعد انسحاب القوات الإفريقية من البلاد، واستكمال الدستور وتهيئة الأوضاع المناسبة لإجراء انتخابات “صوت واحد لشخص واحد“.
- تحقيق تقدّم ملموس وسريع في السياسة الخارجية الصومالية: أثناء مشاركته في ديسمبر 2020م لحوار دودسن المفتوح أفاد السيد حسن شيخ محمود بأن “السياسة الخارجية مهمة جدّا للبلدان التي تتعافى من دمار الحروب الأهلية”. مثّل اعتقاده بأهمية السياسة الخارجية ميزة من ميزات فترة حكمه، حيث اعترفت الولايات المتحدة في 2013م، بحكومته كحومة رسمية للصومال، مطوية بذلك سياسة الازدواجية في التعامل مع الحكومة الصومالية، وافتتحت واشنطن سفارتها في مقديشو، كما افتتح الصومال سفارته في واشنطن، مما أنهى فترة متابعة الولايات المتحدة للأوضاع الصومالية عبر وكلائها في المنطقة. هذه الخطوة ساهمت في تفعيل العلاقات الصومالية الخارجية سواء مع الدول العربية أو الأوروبية أو الآسيوية المتقدمة، حيث افتتح الكثير من هذه الدول سفارات في مقديشو، كما افتتح الصومال هو الآخر سفارات له في العديد من عواصم هذه الدول. إلى جانب ذلك عززت الصومال في عهد حسن شيخ علاقاتها مع تركيا التي تعد قوة سياسية واقتصادية بل وعسكرية لا يستهان بها كونها أحد أهم أعضاء حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، مما أدّى إلى أن تقيم تركيا في الصومال أكبرسفارة لها على مستوى العالم، إلى جانب افتتاحها قاعدة عسكرية لتدريب الجيش الصومالي في مقديشو! كلّ هذا وغيره ساهم في توثيق عرى الأخوى والصداقة بين الشعبين الصومالي والتركي، حيث لوحظ أخيرا أن أصبحت تركيا الوجهة المفضلة للسياح والتجار الصوماليين إلى جانب راغبي الخدمات الصحية العالية.
- تنمية الاقتصاد الوطني: انطلاقا من مبدأ أن “السياسة الخارجية لأي بلد ما هي إلاّ انعكاس لسياسته الداخلية” ابتكر حسن شيخ محمود سياسة خارجية تهدف إلى تنمية الاقتصاد الوطني، مشجعا القوى الخارجية والداخلية الاستثمار في البلاد. ولتوضيح مدى أهمية العلاقات الخارجية في تنمية الاقتصاد الوطني يقول حسن شيخ محمود: “عندما فقدت شركاتنا شرعية التسجيل داخل البلاد، تم نقلها إلى دبي لتسجيلها هناك، بحيث فرّ كل شخص بمحفظته الصغيرة إلى دبي بعدما تعذّر عليه الاتجار في سوق بكارو، مما أنتج لنا مجموعة من الأغنياء الصوماليين هناك”. وبفضل هذه السياسة الخارجية الناجحة، استطاعت الصومال في عهده تصدير حوالي 5 ملايين رأس من الماشية إلى المملكة العربية السعودية، مما أعاد إلى الحياة مرّة أخرى تصدير المواشي الصومالية إلى الدول العربية فانتعش الاقتصاد الصومالي إلى حدّ ما، لكون تجارة الماشية في مقدّمة المقومات الاقتصادية الصومالية. كما أن الاستثمارات الأجنبية الواسعة في البلاد كانت من العوامل التي ساعدت على تنمية الاقتصاد الوطني وانتعاش حياة المواطن الصومالي بحيث توفّرت فرص عمل ثمينة أحدثت تغيّرا ملموسا في طرائق العيش للمواطن الصومالي.
- انتهاج سياسة تصفير المشاكل وعدم خلق عداوات خارجية للبلاد: أعلن السيد حسن شيخ أنّه تبنى سياسة الابتعاد عن خلق عداوات جديدة للبلاد، والعمل على إقامة علاقات دبلوماسية مبنية على المصالح العليا للبلاد مع الأطراف الخارجية المعادية للصومال في السابق. وذلك من أجل إقامة علاقات مع جميع الأطراف المعنية بالصومال من دول عربية أو دول الجوار أو الغرب بهدف التقليل أو القضاء على نقل الصراعات والحروب بين هذه الأطراف إلى الداخل الصومالي. وبفضل سياسته الخارجية الرشيدة استطاع حسن شيخ محمود أن يقيم في آن واحد علاقات قوية مع دول باعدت بينها السياسة مثل مصر وإثيوبيا، أو قطر والإمارات العربية المتحدة، أو تركيا والسعودية، ولم يؤثّرذلك على الاستقرارالصومالي، كما أن البلاد لم تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين هذه الدول أو ميدانا لحروب الوكالة كما كانت في العهود السابقة، وفي هذا المجال يقول حسن شيخ محمود: “نحن بحاجة إلى الجميع، ولن تكون الصومال ساحة أو ميدانا للصراع بين القوى الخارجية“.

وعلى الرغم من هذه الجهود، فإنه يمكن القول بأن حسن شيخ محمود لم يُوصل البلاد إلى حالة استقرار تام بسبب انتهاء فترته الدستورية قبل تحقيق ذلك، غير أن من جاؤوا بعده لم يستطيعوا الحفاظ على تلك الإنجازات، فضلا عن مواصلتها وتطويرها، بل يتساءل البعض عن مدى نجاح العلاقات الخارجية الصومالية فيما بعد حسن شيخ، وذلك بالمقارنة بين عدد الدول الصديقة للصومال أو المعادية له بسبب السياسات الخارجية التي تبناها النظام الّذي خلّف حسن شيخ محمود في إدارة البلاد.
وهنا يتساءل المتابعين: هل يمكن قيادة الصومال بدون الدخول في أزمات سياسية ودبلوماسية مع القوى الخارجية. وماذا استفادت الصومال على مرّ التاريخ العلاقات العدائية مع القوى الخارجية؟
