انتهت في العاصمة التّركية “أنقرة” أمس الإثنين الـ1/يوليو_تموز/2024م، الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين الصومال وإثيوبيا، بوساطة تركية، حول التّوترات الناجمة بين البلدين بسبب مذكّرة التفاهم غير القانونية الموقعة مطلع العام الجاري 2024م، في أديس أبابا بين إثيوبيا وإدارة صوماليلاند الانفصالية.
ووفقا لبيان صادر عن الخارجية الصومالية، فإن التباين بين الطرفين كان جليا في هذه المحادثات غير المباشرة، وذلك بسبب تمسك الصومال بموقفه السابق إزاء القضية، والدّاعي للدّولة الإثيوبية إلى إلغاء مذكرة التفاهم مع صوماليلاند، وعدم المساومة على السيادة الوطنية الصومالية المقدّسة حسب البيان.
وأعربت الخارجية الصومالية في بيانها عن شكرها للدّولة التّركية الشقيقة على دورها الإيجابي في استقرار منطقة القرن الأفريقي.
وعلى الرّغم من أن المحادثات كانت غير مباشرة، إلا أن وزيري الخارجية الصومالي أحمد معلّم فقي والإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي، كانا مع نظيرهما الوسيط التركي، أثناء تلاوته للبيان الختامي المشترك الصادر عن المحادثات بين الطرفين.
وجاء في التصريح الصحفي لوزير الخارجية التركية أن تركيا لعبت دورًا وسيطًا بين إثيوبيا والصومال بفضل علاقاتها وتعاونها الشامل مع البلدين، مشيرا إلى أن “التزام تركيا بالسلام والدبلوماسية وحسن النية يدعم الجهود الرامية إلى إقامة حوار مشترك وإيجاد أسس مشتركة”.
وقال: “منح كلا الجانبين الثقة والسلطة لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان يعزز إيماننا بأننا نسير على الطريق الصحيح”.
ووفقا لوكالة الأناضول التّركية فإن السيد هاكان فيدان وزير خارجية تركيا لفت إلى تبادل وجهات النظر حول كافة نقاط النقاش مع نظيريه وبين الوفود، وتطرق إلى تحفظات كلا الجانبين، مؤكّدا أن المسألة معقدة للغاية، مما يتطلب إجراء تقييمات أخرى بشأن هذه المسألة، مضيفا بأن الوزراء قرروا الاجتماع مرة أخرى بأنقرة في 2 سبتمبر 2024م، لإجراء جولة ثانية من المحادثات.
هذا، وقد جاءت المحادثات غير المباشرة بين الطرفين بعد طلب تقدّمت به الدّولة الإثيوبية إلى الشقيقة التركية للوساطة بينها وبين الصومال، حسبما صرّح بذلك السيد الدّكتور حسن شيخ محمود، رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية أثناء خطابه أمس الإثنين بمناسبة ذكرى استقلال المناطق الجنوبية الصومالية واتّحادها مع المناطق الشمالية في الـ1/يوليو_تموز/1960م، حيث قال السيد الرئيس: “طلبت الحكومة الإثيوبية من تركيا أن تتوسط لها مع الصومال، فقدّمت تركيا دعوة لنا، في الوقت الّذي كان يجري في نيروبي اجتماعات غير مباشرة بين اللجان الفنية، فطالبت اللجنة الإثيوبية بمهلة للتّشاور. تتوسط الحكومة التّركية في محادثات غير مباشرة بين الوفدين المقيمين في مكانين مختلفين”.
ويتساءل المتابعون مدى نجاح الدّبلوماسية التّركية في إقناع الطرفين على الوصول إلى تفاهم حول الأزمة الحالية، والتي وصفها وزير الخارجية التّركي بأنها “مسألة معقّدة للغاية”، وهي كذلك، حيث إن إثيوبيا تتطلّع إلى الوصول إلى الساحل الصومالي لأغراض تجارية وعسكرية عبر مذكّرة تفاهم غير قانونية وقّعتها –بدون موافقة من الحكومة الفيدرالية الصومالية- مع إدارة انفصالية لم تنل بعد اعترافا دوليا، فهذا انتهاك للسيادة الوطنية الصومالية وتهديد لوحدة أراضيها وسلامتها، الأمر الّذي يجعل الحكومة الصومالية تتشبّث بموقفها الدّاعي إلى إلغاء إثيوبيا لهذه المذكّرة قبل الدّخول في محادثات مباشرة بين الطرفين بشأن هذه القضية، فيما لا تتقدّم إثيوبيا حتّى الآن بخطوة نحو تحقيق المطلب الصومالي، بل تظهر بين الفينة والأخرى تصريحات إثيوبية متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، تزعم أنها ستعترف بصوماليلاند كدولة مستقلة عن الصومال ذات سيادة كاملة، وهو مما يوسّع الفجوة بين مقديشو وإثيوبيا.
يرى بعض المحللين أن طلب إثيوبيا الوساطة، ربّما يأتي في إطار سعيها إلى بقاء قواتها العسكرية في الصومال تحت العملية العسكرية التي ستحلّ محل قوات “الأتميس” نهاية العام الجاري 2024م، إذ إن الصومال ملتزم بسحب القوات الإثيوبية من الصومال، طالما هناك خلاف دبلوماسي بين الطرفين، وخاصة وأن مهلة “الأتميس” محدّدة بنهاية العام الجاري، وأنها أي الحكومة الصومالية اتخذت خطوات لمعالجة الفراغ الّذي يخلفه انسحاب القوات الإثيوبية، حيث يقول السيد حسين شيخ علي مستشار الأمن القومي للرّئيس الصومالي في مقابلة سابقة له مع قناة يونيفيرسل الفضائية الصومالية: “ إن الحكومة لا تعمل على خطة عمياء تشكل خطرا على الشعب، وإن هذه الأعمال تسير وفق خطط (أ، ب، ج)، وعليه فإنه سيتم رسميا نقل قوات أفريقية إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإثيوبية”، فحفاظا على دورها في بعثة “الأتميس” يقول المراقبون إن إثيوبيا تقدمت بهذا الطلب إلى الشقيقة التّركية في الوقت الرّاهن.
ومهما يكن من أمر، فإن حلّ القضية سيتطلب مزيدا من الوقت، ما لم يبادر أحد الطرفين إلى الاستجابة لمطالب الأول، وخاصة، ما لم تبادر إثيوبيا إلى الموافقة على الشرط الصومالي لإجراء محادثات مباشرة بين الطرفين، حيث إن في ذلك إقرار للسيادة الوطنية الصومالية وعدم الانتهاك لوحدة أراضيها وسلامتها، وليس أمامها –أي أمام الصومال- غير هذا الطريق لحفظ هيبتها وكسب تأييد شعبها في وجه الأطماع الإثيوبية التوسعية نحو سواحل الصومال وأراضيها.