تشهد منطقة القرن الإفريقي صراعا محموما وتنافسا محتدما بين قوى إقليمية وأخرى دولية، تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها فيه أو الحفاظ على مصالحها في المنطقة عن طريق تعزيز وجودها عبر الاتفاقيات والعلاقات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية المتبادلة مع دول المنطقة.
وتتنافس 3 دول إقليمية بشكل حاد على إثبات وجودها في المنطقة وهي تركيا والإمارات اللتان لهما وجود قوي في المنطقة، إلى جانب مصر التي تتوجس من تنامي نفوذ هاتين الدولتين (الإمارات وتركيا) في القرن الإفريقي الّذي يمثل لمصر أولوية قصوى في الوقت الراهن، – على الأقل- بسبب تصاعد توترات أزمة سد النهضة، على خلفية مواصلة إثيوبيا الإجراءات التي تصفها القاهرة بالأحادية، والتي كان آخرها تدشين المرحلة الأولى من توليد الكهرباء من السد.
وفي هذا الإطار، تتبّع مصر تحركات وفد تركي رفيع المستوى زار ثلاث دول أفريقية أخيراً، في محاولة للوقوف على تفاصيل الزيارات، حيث كشفت مصادر دبلوماسية مصرية أن القاهرة كلّفت سفاراتها في كل من السودان، وجيبوتي، والصومال، بجمع المعلومات الخاصة بلقاءات الوفد التركي، وتفاصيل الزيارات، ذلك أن القاهرة تستشعر القلق بسبب ما يمكن وصفه بانفلات زمام الأوضاع في السودان ومنطقة القرن الإفريقي من أيديها، وسط تحركات إماراتية وتركية في المنطقة، تتقاطع مع مصالح مصر، وذلك على الرغم من تأكيدات من أبوظبي، في وقت سابق، بعدم تعريض مصالح القاهرة للخطر، على حد تعبير المصادر.
وتقول مصادر إن القاهرة طلبت تفسيراً من أبوظبي بشأن تحركات تقودها الإمارات أخيراً في منطقة القرن الأفريقي، مثلت تهديداً مباشراً للمصالح المصرية، كاشفة أنّ القاهرة فوجئت أخيراً بتحركات إماراتية -قيلت إنها- تهدف إلى تقويض سلطة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيللي، التي قطعت القاهرة شوطاً كبيراً في إقامة علاقات جيدة معه، نظراً لحجم التأثير الكبير لدولته في أزمة سد النهضة التي تشغل صانع القرار المصري حالياً، إذ كشفت تقارير استخبارية – حسب هذه المصادر- عن اتصالات إماراتية بعسكريين في جيبوتي، وشخصيات مشاركة في الحكم، هدفت إلى تقويض سلطات غيللي، وممارسة ضغوط عليه، مشيرة إلى أنّ التحركات الإماراتية في هذا الشأن تخطت مرحلة الإضرار بالمصالح المصرية، إلى مرحلة أبعد من ذلك بكثير.
تأتي كل هذه المستجدات والتحركات الدبلوماسية والسياسية في القرن الإفريقي في وقت عيّنت فيه الصين شيويه بينغ مبعوثا جديدا لها إلى القرن الإفريقي ليعمل على تعزيز خطة الصين “للتنمية السلمية” في المنطقة والتي تهدف إلى مساعدة دول المنطقة على “تحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار على المدى الطويل”، والحفاظ على مصالح الصين العديدة في المنطقة مثل قاعدتها البحرية في دولة جيبوتي الصغيرة ، المطلة على طريق الشحن العالمي الرئيسي حيث ينتقل النفط من الشرق الأوسط والبضائع من آسيا إلى أوروبا، واستثماراتها النفطية الكبيرة في جنوب السودان.
يبدو أن منطقة القرن الإفريقي تزداد أهميتها الإستراتيجية والحيوية يوما بعد يوم، مما يجعل الجميع -عدا سكانها- يهرولون نحو تحصيل أكبر قدر ممكن من هذه الأهمية لصالحها، وبالتالي أصبحت المنطقة محط أنظار القوى العالمية والإقليمية المتصارعة على النفوذ العالمي والإقليمي، وميدانا لتصفية حساباتها فيه.
مستقبل ميديا + العربي الجديد