تعتبر العلاقات الصومالية الإماراتية من العلاقات الضاربة في عمق الجذور التاريخية للبلدين، حيث كشفت وثائق تاريخية قديمة ومنها وثيقة “بيريبلوس” عن وجود تبادل تجاري بين مناطق في الساحل الشمالي للصومال والتجار الحميريين والسبئيين الذين بسطوا سيطرتهم على جزء كبير من شبه الجزيرة العربية، كما سجّل التاريخ -أيضا- أن مناطق في شمال الصومال كانت لها علاقات مع سلطان صقر القاسمي.
وفي العصر الحديث، وبعد استقلال الصومال ووصول العسكر إلى سدّة الحكم بالبلاد عام 1969م، كانت الإمارات تحتفظ بعلاقات تربطها مع الصومال، فدعمتها عسكريا إذ قدّمت معدات عسكرية إلى الحكم العسكري الجديد، من بينها 12 طائرة حربية من طراز هوكر هنتر بريطانية الصنع للقطاع العسكري الصومالي. استمرت تلك العلاقات وانتقلت إلى الشطر الاقتصادي، فبلغ حجم التعاون الاقتصادي الصومالي-الإماراتي مراحل متقدمة في سبعينات القرن الماضي، من خلال تجارة المواشي والأيدي العاملة الصومالية إلى جانب حركة التصدير والتوريد التي تطغى على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وعقب سقوط الحكومة العسكرية عام 1991م، كانت الإمارات من بين الدول التي نشرت وحدات عسكرية في الصومال ضمن التحالف الدّولي لإعادة الأمل إلى الصومال الّذي كانت تقوده الولايات المتّحدة الأمريكية.
تحوّلت العلاقات الإمارتية الصومالية فيما بعد ذلك إلى الجانب الإنساني، حيث كانت الإمارات كغيرها من الدول الخليجية تهتم بالشق الإنساني للأزمة الصومالية فقدّمت المساعدات الإنسانية إلى الصومال، وأنشأت المدارس التعليمية والمراكز الصحية داخل الصومال محاولة منها لسدّ الفراغ الناجم عن غياب حكومة صومالية، وذلك عبر هيئاتها الخيرية -وخاصة هيئة الهلال الأحمر الإماراتي- التي أنشأت العديد من المدارس والمستشفيات داخل الصومال.
في 2014م، أعادت الإمارات افتتاح بعثتها الدّبلوماسية في الصومال، ووسعت مجالات علاقاتها مع الصومال، ولم تعد تنحصر على الجانب الإنساني فقط، بل شملت أيضا المجالات السياسية والعسكرية، حيث تولّت الإمارات مهمة تدريب قوات صومالية يقدّر بـ 2400 جندي صومالي وصرف رواتبهم، وذلك قبل أن تتدهور العلاقات بين البلدين في ظل حكم فرماجو.
في 2018م، وبعد عام من مجيء محمد فرماجو إلى الحكم، ساءت العلاقات بين البلدين حتى وصلت إلى مرحلة الجفاء وشبه القطيعة الدّائمة وذلك عبر محطات دبلوماسية وسياسية بدءا من توقيع شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية مع كل من صوماليلاند وإيثيوبيا بشأن تطوير ميناء بربرا وصولا إلى مصادرة سلطات مطار آدم عدي الدولي بمقديشو في 8/إبريل/2018م، مبلغا ماليا يصل إلى أكثر من 9 ملايين دولار أمريكي على متن طائرة إماراتية خاصة، بدعوى كونها أموالا مشبوهة، في حين أعلنت الإمارات أن هذه الأموال كانت أموالا تنتظرها السفارة الإماراتية في الصومال لصرف رواتب ما يقارب 2400 جندي صومالي كانت الإمارات تتولّى مهمة تدريبهم وإعدادهم منذ 2014م، وبقيت هذه الأموال في خزينة الدولة الصومالية حتى 2022م، دون إصدار المحاكم المعنية بمثل هذه القضايا أحكاما قضائية للبت فيها.
إن مجيء السيد محمد حسين روبلي إلى رئاسة وزراء الصومال في سبتمبر 2020م، لتسيير الشؤون الانتخابية وإدارة المرحلة الانتقالية، مثّل انفراجة في الأزمة السياسة بين الصومال والإمارات، فبعد أن حقق نجاحا في نزع فتيل الأزمة السياسية الداخلية ووقع المجلس الوطني الاستشاري في الـ 27/مايو/2020م، اتفاقية حول إجراء انتخابات غير مباشرة، اتّجه روبلي إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه من السياسة الخارجية التي تعثّرت فيها الحكومة السابقة، فالتقى هو ووزير خارجيته السابق محمد عبدالرّزاق محمود في الـ 7/يونيو/2021م، بالسفير الإماراتي لدى مقديشو السيد أحمد محمد العثمان كبداية لإنهاء القطيعة الدبلوماسية بين الطرفين، إذ ناقش الجانبان خلال اللقاء تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتقديم المساعدات الطارئة للمتأثرين بكارثة الفيضانات الأخيرة التي ضربت -حينها- ولاية هيرشبيلي وسط الصومال.
التقى المسؤولان -روبلي وأحمد العثمان- مرّة أخرى بمقديشو في الـ 7/ديسمبر/2021م، للتأكيد على مباحثات اللقاء الأول حول تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة الدّور الإماراتي في إغاثة المتضررين بموجات الجفاف التي ضربت البلاد.
وفي الـ 7/يناير/2022م، قرّر السيد روبلي إنهاء الأزمة الدّبلوماسية بين البلدين وتطبيع علاقاتهما، وذلك بعد استلام حكومته شحنة من المساعدات الإماراتية المخصصة للمتضررين بموجات الجفاف التي تضرب مناطق شاسعة في الصومال، بسبب شح في الأمطار أو انعدامها لـ ٣ مواسم متتالية مما أثر على حياة الناس والأنعام في هذه البلاد، مما دفع السيد روبلي إلى التعهد بالإفراج عن الأموال الإماراتية المحتجزة في خزينة الدّولة، لكن الرّئيس السابق محمد عبدالله فرماجو، أصدر آنذاك قرارا يُطالب فيه محافظ البنك المركزي الصومال بعدم سحب الـ ٩،٦ مليون دولار المحجوزة من الإمارات منذ ٢٠١٨م.
عقب انتخاب السيد حسن شيخ محمود مرّة أخرى رئيسا جديدا للصومال في الـ 15/مايو_أيار/2022م، بدأت العلاقات بين البلدين تتجه نحو التقارب والتحسن، وكثف السفير الإماراتي من لقاءاته مع المسؤولين الصوماليين الجدد وعلى رأسهم الرئيس حسن شيخ محمود.
وفي الـ 19/مايو_أيار الجاري/2022م، أمرت محكمة صومالية بالإفراج عن الأموال الإماراتية المحتجزة في خزينة الدولة الصومالية وردّها إلى السفارة الإماراتية، وهو ما نفّذته حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها السيد محمد حسين روبلي.
وتقديرا لهذه الجهود أمر الرئيس الإماراتي الجديد الشيخ محمد بن زايد في نفس هذا اليوم بتقديم مساعداتٍ إنسانية عاجلة بقيمة 35 مليون درهم (حوالي 10 ملايين دولار أمريكي) إلى دولة الصومال لدعم جهود التنمية فيها، وهو ما رحّب به الرئيس حسن شيخ محمود الّذي عبّر عن شكره لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، جراء مساعداتها العاجلة المخصصة للشعب الصومالي، استجابة لندائه الذي بعثه إلى الإمارات، إذ قال بيان مقتضب صادر عن الرئاسة الصومالية حينها بهذا الخصوص: “أبدى فخامة الرئيس حسن شيخ محمود شكره وامتنانه لأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات الشقيقة على مكرمته لشعب الصومال بشأن إيصال مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة ٣٥مليون درهم إلى المتضررين من الجفاف في البلاد. وأثنى فخامته على وقوف دولة الإمارات إلى جانب الشعب الصومالي“.
يقول محللون إن العلاقات الإماراتية الصومالية مُقبلة على مرحلة من الازدهار والتقارب الواسع ليس فقط بسبب التطوّرات الدّبلوماسية التي حقّقها الطرفان في الآونة الأخيرة، وإنما أيضا بسبب الرئيس الجديد الّذي اتّصف في فترة رئاسته السابقة بانتهاج سياسة “صفر مشاكل مع الجميع”، ويحمل الآن شعار “صومال متسامح مع نفسه ومتصالح مع العالم”.