العلاقات التّركية الصومالية .. البعد الإستراتيجي والمصالح الاقتصادية

يزور الرّئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود تركيا، في ثاني زيارة خارجية له بعد زيارته الأولى لأبوظبي الشهر الماضي، منذ إعادة انتخابه رئيسا للصومال في الـ 15/مايو_أيار/2022م.

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي لتركيا استجابة للدعوة الرسمية التي تلقاها من نظيره التّركي رجب طيب إردوغان، حسبما أشاعته الرئاسة الصومالية في بيانها حول وصول الرئيس إلى تركيا واستقباله السلطات هناك.

كما تتزامن هذه الزيارة مع منح البنك المركزي الصومالي رخصة عمل في الداخل الصومالي لبنك زرات Ziraat التركي، حيث وافق المجلس الإداري للبنك المركزي الصومالي في جلسته الاعتيادية أول أمس السبت الـ 2/يوليو_تموز/2022م، على منح بنك زرات التركي وبنك مصر المصري تراخيص العمل البنكي في الصومال، ليكونا بذلك أول البنوك العالمية الحاصلة على تصريحات رسمية بالعمل داخل الصومال بعد فترة الحروب الأهلية التي أعقبت إسقاط الحكم العسكري الصومالي في 1991م.

وتمثل هذه الزيارة تأكيدا لاستمرار العلاقات التركية الصومالية وتعزيزها، إلى جانب كونها مصداقا لتوقعات السفير التركي لدى الصومال الّذي تنبأ بحدوث زخم في العلاقات بين البلدين، عقب إعادة انتخاب حسن شيخ محمود رئيسا للصومال.

ففي حواره مع وكالة الأناضول التركية بعد أيام من انتخاب حسن شيخ محمود رئيسا للبلاد، قال السفير التركي لدى الصومال محمد يلماز: إنهم يتوقعون أن تكتسب علاقات أنقرة ومقديشو زخماً عقب الانتخابات الرئاسية التي شهدها البلد الإفريقي مؤخراً، مضيفا أن التعاون التركي-الصومالي بدأ يؤتي ثماره بشكل خاص في مجالات الأمن والصحة والتعليم والدفاع.

البعد التاريخي والإستراتيجي للعلاقات بين البلدين:

استضافت تركيا في الفترة ما بين الـ 21 _ 23/مايو_أيار/2010م، مؤتمر الصومال الّذي عقدته الأمم المتحدة في مدينة إسطانبول التركية.

وفي الـ 19/أغسطس_آب/2011م، قام رئيس الوزراء التركي آنذاك السيد رجب طيب إردوغان الرئيس الحالي بزيارة خاطفة إلى الصومال لفتت أنظار العالم نحو الصومال، وشكّلت تحوّلا نوعيا في التعامل الدّولي مع القضية الصومالية، إذ إن إردوغان أصبح بذلك أوّل زعيم غير إفريقي يزور البلاد في وقت كانت تشهد فيه أزمة إنسانية حادة بسبب الجفاف الّذي كان يضرب آنذاك العديد من المناطق الصومالية.

اتّخذت أنقرة إنقاذ الصومال من المجاعة مدخلا لتكوين علاقاتها الإستراتيجية المتعدّدة الاتجاهات والأبعاد مع الصومال، فبعد تقديم حكومتها حوالي 49 مليون دولار أمريكي إلى جانب 365 مليون دولار كانت مجموع تبرعات النخب التركية إلى الصومال من الخروج من الأزمة الإنسانية، بدأت العلاقات بين البلدين تأخذ مناح أخرى مثل تطوير الدّبلوماسية، التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، الدّعم العسكري والأمني للقوات الصومالية.

من مهمة إنسانية إلى علاقات متعدّدة الأبعاد ومختلفة الاتجاهات

أدركت بعض الدّول الإقليمية والدّولية أن الاهتمام التركي المفاجئ للصومال أبعد من مهمة إنسانية بحتة، مما دفع الولايات المتّحدة الأمريكية في العام التالي لزيارة إردوغان للصومال إلى الاعتراف الرسمي بالحكومة الصومالية، كما افتح العديد من الدول الكبرى بما فيها الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا سفاراتها في الصومال التي تحولت إلى ساحة للتنافس الدولي بعد أن كانت ردحا من الزمن منطقة منسية أو مهمله.

انخراط العلاقات التركية الصومالية في كافة المجالات والمستويات:

لم يقتصر الوجود التركي في الصومال على العلاقات الإنسانية والدبلوماسية فقط، بل تعداها ليشمل مجالات أخرى أكثر حيوية كالاقتصاد والتجارة والأمن والجيش.

ففيما يتعلّق بالعلاقات الاقتصادية والتّجارية تُعدّ تركيا الشريك الاقتصادي الرئيسي للصومال، حيث دخلت شركاتها الحكومية والخاصة في استثمار البنى التّحتية الصومالية، وتدير هذه الشركات المرافق الاقتصادية الرئيسية في العاصمة، مثل ميناء مقديشو الّذي تديره شركة “ألبيراق” التركية، ومطار آدم عبد الله الدولي الذي تشغله شركة “فافوري” التركية، وهو المطار الوحيد الذي يعمل في العاصمة.

إلى جانب ذلك، فإن المنتجات والخدمات التّركية تهيمن في الآونة الأخيرة على الأسواق الصومالية، حيث بلغت قيمة المشاريع التركية التي نفذتها في قطاعي الصحة والتعليم حوالي مليار دولار أمريكي، كما ارتفع التبادل التجاري بين البلدين من 8 ملايين إلى 280 مليون دولارًا سنويًّا. والميزة التي يجب أن تأخذ في الحسبان بهذا الصدد هو أن الاستثمارات التركية أتت بتقييدات وشروط أقل مقارنة مع المانحين التقليديين الغربيين مثل صندوق النقد الدولي، مما ساهم في إحداث تحسين مطرد للاقتصاد الصومالي في العقد الماضي.

وعلى الرّغم من تحسن الاقتصاد الصومالي جراء العلاقات التركية الصومالية، إلاّ أن الخبير الاقتصادي الصومالي الدّكتور عول محمود، يرى أن المنافع الحاصلة من هذه العلاقات غير متكافئة، بسبب تقصير الحكومة الصومالية في توظيف مقدّراتها الاقتصادية والعمل على تسهيل الإجراءات للتجار الصوماليين للقيام بتصدير المنتجات الصومالية إلى تركيا.

وفيما يتعلق بتفرد الخطوط الجوية التركية بالرحلات الدولية من وإلى مقديشو، يقترح الدكتور عول محمود في حواره مع فضائية يونيفيرسل الصومالية افتتاح التنافس في هذا المجال لشركات الطيران الدولية، حتى تنخفض أسعار الرحلات الدولية من وإلى مقديشو التي وصفها بالجنونية بسبب احتكار هذه الشركة لهذا المجال.

وعسكريا، تقوم تركيا منذ 2012م، بتدريب القوات العسكرية والأمنية الصومالية بتكلفة قيمتها 50 مليون دولار، وتم تدريب ما بين 15 _ 16 ألف جندي صومالي سواء في القاعدة العسكرية التركية في الصومال -تركصوم، أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج بلادها- أو في الداخل التركي، كما تتولى تركيا تسليح وإدارة جميع القوات التي دربتها في أراضيها أو في الصومال على حدّ سواء.

ودبلوماسيا، افتتحت تركيا في العاصمة الصومالية مقديشو أكبر سفاراتها في الخارج لتسهيل التواصل بين الشعبين التركي والصومالي، وربما بفضل التقارب الدبلوماسي الوثيق بين الطرفين أصبحت تركيا في العقد الأخير الوجهة المفضلة للصوماليين سواء في مجالات التعليم والسياحة الصحية وفرص الأعمال. ويوجد حاليًّا ما يقدر بـ80-100 ألف صومالي، ما بين طلاب وعائلات انتقلت من الشتات الصومالي في أميركا الشمالية والدول الأوربية والعالم العربي وبعض من أجزاء أفريقيا للاستقرار في تركيا.

لا شك أن العلاقات التركية الصومالية قوية ومتجذّرة في الأصول، ولا يعني ذلك أنها متكافئة بكلّ المقاييس، ولكنها فتحت آفاقا واسعة للعلاقات الخارجية الصومالية، وبالتالي يجدر بقادة البلدين تطوير هذه العلاقات وتعزيزها على ما يعود بالنفع للجميع على حدّ سواء.

محرر الأخبار

Read Previous

مقديشو .. رئيس الوزراء يستقبل مندوب الاتحاد الأوروبي لدى البلاد

Read Next

مكتب الشؤون الإنسانية للرئاسة الصومالية .. مساع حثيثة لمعالجة آثار الجفاف

Send this to a friend