الصومال: بعد عام من انتهاء الشرعية الدّستورية، كيف تبدو أوضاع المؤسسات الحكومية؟

يكتمل اليوم الثلاثاء الـ 8/فبراير/2022م، عام كامل على انتهاء الشرعية الدّستورية للمؤسسات الحكومية وخاصة الرئاسة الصومالية، إذ إن الفترة الدستورية للرئيس المنتهية ولايته محمد عبدالله فرماجو تمتد من يوم انتخابه رئيسا للصومال في الـ 8/فبراير/2017م، وتنتهي في الـ 7/فبراير/2021م، مما يعني أنه كان من المفترض أن تستكمل الإجراءات الانتخابية النيابية والرئاسية قبل هذا الموعد بأيام، لكن ما حدث كان عكس ما كان مطلوبا أو متوقعا، فتأخرت العملية الانتخابية لمدّة عام كامل عن موعدها المحدّد، ولا يلوح في الأفق حتى الآن ما يشير إلى استكمالها في الأشهر القليلة القادمة وإن توصل المجلس الوطني للاستشارات إلى اتفاق يحدّد الـ 25/فبراير الجاري/2022م، موعدا لاستكمال الانتخابات البرلمانية الجارية في البلاد منذ الـ 29/يوليو/2021م!

إن تأخير الانتخابات عن موعدها المحدّد لم يأت عن فراغ ولا بدون تخطيط مسبق، وإنما جاء نتيجة لجهود جبارة بذلتها الرئاسة ومواليها من أجل تحقيق هذه الغاية، حسبما يقول محللون ينقلون عن مقرّبين من فرماجو وأعوانه من وجود خطة محكمة لإبقائهم في الحكم – على الأقل- حتى في 2027م، سواء حدث ذلك بإجراء انتخابات صورية مزورة أو تمرير قرارات بالتمديد الإداري أو التباطئ في تنفيذ الخطوات العملية للانتخابات لتسغرق وقتا أطول من الوقت المحدّد، وهو ما ظهر للجميع خلال الفترة السابقة التي استعرّ فيها النقاش حول الانتخابات البرلمانية والرئاسية الصومالية المقبلة.

ويلاحظ المتتبع للسياسة الصومالية منذ 2017م، أن نزعة التمديد كانت حاضرة منذ البداية، حيث يرى المتابعون أن إرغام السيد محمد عثمان جواري على الاستقالة في الـ 9/أبريل/2018م، من رئاسة مجلس الشعب الصومالي لم يكن إلاّ جزءا من مخطط البقاء في الحكم لمدة طويلة، وبما أن جواري طالب اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بتقديم مشروعها لإجراء انتخابات صوت واحد لشخص واحد في وقت مبكر يمكن من خلاله اتخاذ قرار رسمي بشأن تحقيق هذا المطلب أو العدول عنه فيمكن حينها طرح اقتراحات أخرى تنقذ البلاد من حدوث فراغ دستوري أو تمديد إداري أو تأجيل الانتخابات عن موعدها، فإنه بذلك أثبت أنه لا يمكن أن يتماشى مع خطة البقاء في الحكم لمدة طويلة، ولذا لا بدّ من إبعاده عن المنظومة الحاكمة وإحضار بديل عنه يتفهم الخطة!

في الـ 27/يونيو/2020م، أعلنت حليمة يري رئيسة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام البرلمان بأنه لا يمكن إجراء انتخابات صوت واحد لشخص واحد المنصوص عليها في قانون الانتخابات المصادق عليه، في موعدها المحدّد، وأن اللجنة تحتاج إلى 13 شهرا إضافيا لإجراء هذا النوع من الانتخابات في البلاد، مما بدا للمتابعين بأنه محاولة لإقناع البرلمان على التمديد الإداري للسلطة الحالية أو تأجيل الانتخابات عن موعدها، مما أثار حفيظة القوى المعارضة وبعض الولايات الإقليمية الرافضة للتمديد أو للتأجيل، فأصرت على ضرورة التشاور حول إيجاد نموذج انتخابي توافقي يضمن إجراء الانتخابات في موعدها المحدّد.

وبناء على ذلك انطلقت من مدينة طوسمريب في يوليو 2020م المؤتمرات التشاورية بشأن الانتخابات والتي توّجت باتفاقية الـ 17/سبتمبر/2020م، بشأن الانتخابات في مقديشو بين الرئاسة الصومالية وقادة الولايات الإقليمية إلى جانب رئيس بلدية مقديشو السيد عمر فلش.

في ديسمبر/2020م، وقبل أيام قليلة فقط من انتهاء الفترة الدستورية لمجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي المنتهية ولايته، بعث السيد حسن شيخ محمود الرئيس الصومالي السابق برسالة إلى السلطة العليا في البلاد، يحذّرها من حدوث فراغ دستوري قائلا في رسالته: “تمثّل الظروف السياسية والأمنية الراهنة في البلاد، عائقا يمنع المصادقة النهائية على الدستور ومن ثم الاستفتاء عليه في المدة الزمنية اليسيرة المتبقية من الفترة الدستورية للبرلمان الحالي، مما يعرقل إنجاز دستور صومالي رسمي وكامل غير انتقالي، وإيمانا مني بأن البلاد في حاجة إلى إنقاذها مرة أخرى من حدوث فراغ دستوري قد يستلب الشرعية من مؤسساتنا الدّستورية، وتأدية لواجباتي الوطنية، وانطلاقا من خبراتي وتجاربي الشخصية، فإنّي أدعو الرئيس الحالي محمد عبدالله فرماجو ورئاسة مجلسي البرلمان الفيدرالي إلى:

  • عقد اجتماع عاجل مشترك بين مجلسي البرلمان الفيدرالي قبل انتهاء دورته الدستورية للتشاور حول تأجيل المصادقة النهائية على الدستور واستفتائه الشعبي، وجعلها من مهام البرلمان الـ 11 القادم (2021م)، وفقا للمادة 57 من الدستور، ودون التعرض للمادة 36، وخاصة لفقرتها (2) في الدستور الانتقالي، وذلك تفاديا لحدوث فراغ دستوري قد يواجهه الصومال في الأيام القليلة القادمة.
  • لعب الرئيس فرماجو دورا إنقاذيا لدستورية مؤسسات الدولة الصومالية، وذلك بدعوته مجلسي البرلمان الفيدرالي إلى عقد جلسة مشتركة بينهما لتمرير قانون مماثل لقانون رقم 20 الصادر في 27/يونيو/2016م والقاضي بإجراء تعديلات على الدّستور، ومن ثم مصادقة الرئيس على القانون البرلماني

لم تجد رسالة حسن شيخ آذانا صاغية وقلوبا واعية، بل تجدّدت الخلافات بشأن طريقة تنفيذ بنود اتفاقية الـ 17/سبتمبر/2020م، وكيفية ترجمتها إلى واقع سياسي فتم الإعلان عن مؤتمر طوسمريب 4 الّذي انتهى بالفشل بعد انسحاب السيد فرماجو منه في الـ 6/فبراير/2021م، أي قبل يوم واحد فقط من انتهاء فترته الدستورية، متهما السيد سعيد عبدالله دني رئيس بونتلاند والسيد أحمد مذوبي رئيس جوبالاند بالتعمد إلى إفشال المؤتمر، لكن السيد سعيد دني في خطابه التاريخي المطوّل عقب أحداث الـ 19/فبراير/2021م، كشف فيه عن أسرار وخفايا حول شخصية الرئيس المنتهية ولايته كانت سببا في إفشال مؤتمر طوسمريب 4، وهي أسرار لم يعلّق عليها فرماجو حتى الآن سواء بالنفي أو بالإثبات، على الرغم من حساسيتها وخطورتها على مستقبله السياسي.

عشية الـ 19/فبراير/2021م، داهمت عناصر من قوات هرمعد وغورغور التي تتلقى الأوامر من الرئاسة فندق المائدة بمقديشو الّذي كان يقيم فيه كل من حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد الّذين تعاقبا على إدارة البلاد قبل فرماجو، وذلك بهدف تخويفهما وترويعهما حتى يتراجعا عن مطالبهما المتمثلة بإجراء الانتخابات وممارسة الشعب حقه الدستوري في الخروج إلى مظاهرات سلمية للتعبير عن مطالبه السياسية المشروعة.

وغداة الـ 19/فبراير/2021م، واجهت قوات حكومية بالرصاص الحي مسيرة سلمية للمطالبة بإجراء الانتخابات يتقدّمها مجموعة من أبرز السياسيين الصوماليين أمثال حسن علي خيري رئيس الوزراء السابق والمرشح الرئاسي الحالي، وعبدالرحمن عبدالشكور ورسمي المرشح الرئاسي وزعيم حزب ودجر المعارض، وغيرهم كثر، وهي الأحداث التي عرفت لاحقا بأحداث الـ 19/فبراير/2021م، التي خلقت توترا أمنيا في العاصمة مقديشو.

في الـ 12/أبريل/2021م، صوت مجلس الشعب بالبرلمان الفيدرالي – وبإيعاز من فرماجو- على قرار بتوجيه الانتخابات وتنظيمها، بموجبه تقوم اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بإعداد مشروع لإجراء انتخابات مباشرة في البلاد في مدة لا تزيد عن عامين، وذلك بعد أسبوع فقط من إعلان السيد دبّي وزير الإعلام في الـ 7/فبراير/2021م، عن فشل مؤتمر تشاوري نظمه المجتمع الدولي في مقديشو، واستضاف به أعضاء المجلس الوطني للاستشارات.

أجّج هذا القرار البرلماني الاحتقان السياسي القائم بالبلاد، ودخلت العاصمة مقديشو بموجبه أجواء من التوترات الأمنية بسبب الانقسامات التي أحدثها هذا القرار في صفوف الجيش الوطني الّذي انقسم إلى موال للرئيس المنتهية ولايته مؤيد لقرار التمديد، وموال لقوى المعارضة رافض للتمديد، مما استدعى ردود أفعال محلّية وإقليمية ودولية تندّد بهذا القرار، لكن الرئاسة ومعها رئاسة مجلس الشعب لم تهتم بهذه النداءات، حتى اندلعت المواجهات المسلحة بمقديشو في الـ 25/أبريل/2021م، بين مؤيدي التمديد ورافضيه مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، فضلا عن الأطراف المتصارعة، ولم تنته هذه المواجهات إلا بعد جهود جبارة بذلتها أطراف محلية وإقليمية ودولية، دفعت مجلس الشعب إلى التراجع عن قراره في الـ 1/مايو/2021م، وتسليم فرماجو المسؤولية السياسية والأمنية لإدارة الانتخابات إلى السيد محمد حسين روبلي رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال.

وعلى الرغم من تسليم فرماجو المهام الانتخابية إلى رئيس وزرائه محمد حسين روبلي، إلآّ أن ذلك لم يحسم الجدل حول الانتخابات ربما بسبب التدخلات المباشرة من قبل الرئاسة في سير العملية الانتخابية ووضع العراقيل أمامها، كما أدلى بذلك السيد روبلي غداة الـ 27/ديسمبر/2021م، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها فرماجو عندما حشد قوات عسكرية أمام مكتب رئيس الوزراء ومقر المجلس الوزاري لتمرير مرسوم صادر عنه بموجبه يوقف العمل عن رئيس الوزراء بتهمة نهب أراض عامة والفشل في إجراء الانتخابات بالمواعيد المحدّدة في الاتفاقيات الانتخابية، لكن اصطدمت مخططات فرماجو برفض واسع من قبل القوى السياسية والاجتماعية المحلّية والدّولية، فما كان منه إلاّ أن يرضخ للأمر الواقع!

أوصلت هذه المناكفات وتلك المحاولات المستمرة لتأجيل الانتخابات أو إلغائها البلاد إلى مرحلة من الانهيار شبه التام للمؤسسات الحكومية فلم يعد هناك وجود لبرلمان صومالي مكتمل الأركان، على الرغم من انتهاء الفترة الدستورية للبرلمان السابق قبل عام تقريبا، وانطلاق الإجراءات الانتخابية للبرلمان الجديد قبل 7 أشهر ولم تكتمل حتى الآن، فتعطلّت بذلك مهام السلطة التشريعية، وليست السلطة التنفيذية بأحسن حالا منها، إذ لم يعد هناك ترابط وتعاون بين المؤسسات الأمنية والسياسية في السلطة التنفيذية، وخذ مثالا لذلك الأوضاع في بلدويني، حيث وصلت إليها وحدات من قوات هرمعد البوليسية وقوات غورغور العسكرية في الـ 26/يناير/2022م، بدون علم من الحكومة الفيدرالية وخاصة الوازارات المعنية بها مثل الأمن، والدفاع، والشؤون الداخلية، وعندما قرّر المجلس الوزاري ضرورة سحب هذه القوات من المدينة وإنهاء الخلافات فيها على طاولة الحوار، لم يستجب لقراره أحد، بل صرح الجنرال أذوا يوسف راغي القائد العام للقوات المسلحة الصومالية أنهم لا ينتظرون الأوامر من الوزارات فيما يتعلق بالدفاع عن الوطن ومحاربة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، في حين أعلنت إدارة محافظة هيران أنها طلبت هذه القوات من الرئاسة الصومالية لمواجهة حركة الشباب!

يبدو أنه بعد عام من انتهاء الشرعية الدستورية للمؤسسات الحكومية الصومالية قد باتت البلاد تعيش حالة من الفراغ الدستوري بسبب غياب الشرعية الكاملة للمؤسسات القائمة المخولة لمباشرة المهام الدستورية الوطنية واتخاذ القرارات المصيرية، وبالتالي أدّى ذلك إلى تعطل أداء هذه المؤسسات، مما يشكّل خطرا على استقرار البلاد ويهدّد بمستقبله الأمني والسياسي ما لم تعمل الأطراف بشكل جدّي على الإسراع في تنفيذ الانتخابات وتفعيل إجراءاتها الموضحة في الاتفاقيات الانتخابية الموقعة بين القادة منذ الـ 17/سبتمبر/2020م، وحتى الـ 9/يناير/2022م.

محرر الأخبار

Read Previous

الانتخابات النيابية الصومالية: سباق مع الزمن

Read Next

جوبالاند: تفجير يستهدف قافلة لقوات كينية

Send this to a friend