الرّئيس حسن شيخ محمود .. أولويات متراكمة وملفات متشابكة

عاد السيد حسن شيخ محمود مرّة أخرى إلى الرئاسة الصومالية بعد إعادة انتخابه في الـ 15/مايو_أيار الماضي/2022م، رئيسا عاشرا للصومال، مسجلا بذلك لحظة تاريخية تجعله أول رئيس صومالي يعود إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع منذ استقلال الصومال في 1960م!

وقد استلم السيد حسن شيخ محمود بشكل رسمي مهامه كرئيس للبلاد في الـ 23/مايو_أيار/2022م، ليبدأ بذلك فترة ولايته الرئاسية الثانية وسط موجة من المطالب الشعبية والتحدّيات الجمة التي تنتظر منه تجاوزها بحنكة ومعرفة سياسية عميقة.

ويُتوقّع أن تشهد مدينة مقديشو العاصمة الخميس المُقبل الـ 9/يونيو_حزيران/2022م، مراسم تنصيبه رئيسا عاشرا للصومال بمشاركة رؤساء معظم الدول الإفريقية المجاورة مثل: جيبوتي، إثيوبيا، وكينيا، وقد وصل بالفعل إلى الصومال وفود تمهيدية لكل من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيللي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

يواجه حسن شيخ محمود امتحانا صعبا في ترتيب قائمة طويلة من الأولويات وتنظيم العديد من الملفات انطلاقا من أهميتها ومدى تحقيقها لمتطلّبات الشعب وانسجامها مع وعود حملته الانتخابية.

في هذه السطور، نلقي الضوء على المحاور الرئيسية التي ينبغي لحسن شيخ أن يباشر معالجتها على الفور، وهذه المحاور:

  1. تعيين رئيس وزراء كفئ ومؤهل: من أبرز المهام التي تقع على عاتق الرئيس الصومالي الجديد عقب انتخابه اختيار رئيس وزراء قادر على إدارة حكومته المسؤولة عن إنجاز مطالب الشعب واستكمال مسيرة بناء الدّولة الصومالية، وقد ابتلي قادة البلاد منذ العقدين الماضيين بالخلاف الّذي ينشب بين رئيس البلاد ورئيس وزراءه بسبب عدم فصل صلاحياتهم بشكل واضح، مما يزيد الأمور سوءا. أما وقد خبر حسن شيخ محمود في فترة رئاسته السابقة هذه التجربة، فإنه يُتوقع منه، الاستفادة من خبراته السابقة والعمل على إبعاد الخلافات بينه وبين رئيس وزرائه المُقبل، إذ تشكّل الخلافات المستمرة بين السلطتين، تعطيلا لعمل الحكومة وشلا لحركاتها، وبالتالي تنتهي الفترة الرئاسية المحدّدة باستبدال رئيس وزراء بآخر أو بحل خلافات جانبية بين الرئيس ورئيس وزرائه، ولن يكون هناك متسع من الوقت لتحقيق الإنجازات.
  2. استتاب الأمن: يعدّ الأمن أحد المقومات الرئيسية لقيام الدول وبقائها، وتعاني الصومال منذ سقوط الحكم العسكري من أزمات أمنية ذات أبعاد اجتماعية وفكرية مختلفة، مما أوصل البلاد إلى هذه المرحلة من الاعتماد على القوات الأجنبية في كثير من القضايا الأمنية، وعليه فإن استكمال بناء القوات المسلحة الصومالية وتعزيز تدريباتها عنصر مهم في إعدادها لتولي المسؤولية الأمنية من القوات الإفريقية (الأتميس)، ثم إن إيجاد طريقة أخرى غير الحل العسكري لاحتواء حركة الشباب أمر ضروري جدّا، طالما لم تستطع المواجهة العسكرية على مدار عقد كامل سحق الحركة عسكريا، مما يحتّم على الحكومة الجديدة ابتكار طرق جديدة لإنهاء هذا الفصل من فصول الأزمة الأمنية الصومالية.
  3. المصالحة السياسية الدّاخلية: من الواضح جليا أن الصومال خلال حكم الرئيس السابق محمد فرماجو لم تعرف التوافق والاستقرار السياسي الداخلي، فقد كانت الخصومة إن لم يكن العداء المستحكم سيد الموقف في العلاقات بين الحكومة المركزية وغيرها ممن يخالفها في الرأي والاتّجاه، مما أورث البلاد حالة من الانقسام السياسي الحاد بين مكوناته السياسية فلم تعد هناك علاقات بين الحكومة المركزية وولايتي بونتلاند وجوبالاند، فيما كانت العلاقات بين الحكومة والقوى السياسية المعارضة الأخرى متدهورة جدّا، فأثّر هذا سلبيا على الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، وحدثت المواجهات المسلحة أكثر من مرة في مدن مثل مقديشو، بيدوة، طوسمريب، وغيذو، ونتيجة لذلك تفكّك المجتمع الصومالي، وهذا مما يوجب على الرئيس الجديد في طرح برنامج مصالحة حقيقية وشاملة، يعيد الثقة بين أبناء المجتمع الصومالي، وحبّذا لو استفتح هذا البرنامج في حل قضية غيذو العويصة والتي منعت ممثليها في البرلمان من المشاركة في انتخابات رئاسة البرلمان الفيدرالي الحادي عشر الجديد بسبب عمق الخلافات بين سياسييها وتنوع إدارات مدن المحافظة! كما أن مواصلة المفاوضات مع صوماليلاند والعمل على إنجاحها خطوة ضرورية لإحداث المصالحة الدّاخلية.
  4. استكمال الدّستور: إن منشأ معظم الخلافات والنزاعات السياسية بين القوى السياسية والسلطات الحكومية راجع إلى عدم استكمال الدّستور، وعليه فإنه يجدر بالرئيس الجديد أن يولي اهتماما كبيرا بهذه الخطة فيتم تعديل بعض المواد في الدستور ومن ثم المصادقة عليه عبر استفتاء شعبي عام، ليسهل بعدها بناء المحكمة الدّستورية التي لها القول الفصل في فض المنازعات الناجمة عن توضيح وتحديد سلطات وصلاحيات الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية من جانب، وبين المؤسسات الحكومية من جانب آخر، كما أن استكمال الدّستور من شأنه حسم الجدل حول الوضع السياسي والدّستوري للعاصمة الصومالية مقديشو.
  5. تحقيق تنمية اقتصادية: وذلك بمواصلة جهود إعفاء الديون عن الصومال وخلق فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل، إلى جانب إحياء قيمة العملة الوطنية المحلية وطبع نسخ جديدة منها ذات فئات مختلفة، حتى يسهل لذوي الدّخل المحدود -على الأقل- العيش في الكفاف!
  6. إصلاح السياسة الخارجية: إن شعار الحملة الانتخابية للرئيس الحالي حسن شيخ محمود “صومال متصالح مع نفسه ومع العالم”، يعبّر عن صدق أولويات المرحلة الراهنة، حيث إن الهدف منه هو إيجاد صومال خال من النزاعات الداخلية نائ بنفسه عن الصراعات الخارجية، لا يستعدي -على الأقل- أي دولة خارجية حتى وإن فشل في كسب ودّها أو إقامة شراكة سياسية ندية معها، لكن دون أن يكون ذلك على حساب استقلال الوطن وسيادته! ويعلم الجميع أن المرحلة السابقة، تدهورت فيها السياسة الخارجية الصومالية، حتى بدت البلاد شبه منعزلة سياسيا بسبب انحصار العلاقات الخارجية للنظام السابق على المحورين الإثيوبي الإرتيريي والتركي القطري، مما تسبب بكوارث دبلوماسية خطيرة، خسرت الصومال خلالها الشقيقة جيبوتي، وتدهورت علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، فيما أصاب الفتور العلاقات الصومالية السعودية، بينما وصلت العلاقات الكينية الصومالية إلى حدّ القطيعة واستدعاء السفراء! مما لا تطيق الصومال تحملّه، ولذا فإنه يحسن بالقيادة الجديدة تصحيح أخطاء النظام السابق وانتهاج سياسة خارجية رشيدة تضمن للصومال التعامل مع محيطها العربي والإفريقي بشكل ندّي وإيجابي.

إن ترتيب هذه الأولويات وتنظيم هذه الملفات وإنجازها في مدّة زمنية محدّدة مهمة صعبة قد لا تتحقق في ولاية رئاسية واحدة، وخاصة في بلد مثل الصومال، لكن المطلوب هو أن يبدأ الرئيس في تنفيذ هذه النقاط ويجعلها نصب عينيه، ولا ينشغل عنها بأطماع سياسية تجرّه إلى التوطئة لإعادة انتخابه في ولاية رئاسية ثالثة، بل يعتقد كثير من المتابعين أن تنفيذ هذه المطالب أو جلها كفيل بإعادة انتخابه مرّة أخرى لولاية ثالثة، طالما تمثل هذه النقاط زبدة أساسيات استكمال مسيرة بناء الدّولة الصومالية وتلبية لحاجات المجتمع الضرورية.

محرر الأخبار

Read Previous

الأمم المتحدة: “أكثر من 200 ألف شخص يواجهون المجاعة في الصومال”

Read Next

مقديشو: ترتيبات أمنية استعدادا لمراسم تنصيب الرئيس

Send this to a friend