التعليم في الصومال: بين الجودة والإقبال عليه

تمثل قضية التعليم في الصومال من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة لاهتمام النخب الثقافية في البلاد، ذلك أن التعليم يشكّل محور العملية النهضوية والتنموية للأمم والشعوب.

وكغيره من القطات العامة والخاصة التي تأثرت بمرحلة الحروب الأهلية وانهيار الدولة الصومالية، كان التعليم أيضا من القطاعات التي تأثرت بشكل مباشر بالفوضى التي عمت بالبلاد، حيث تم تدمير بعض المراكز التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات، بينما تم تحويل البعض الآخر منها إلى مناطق آهلة بالسكان ومن ثم لم تعد صالحة لتوفير الخدمات التعليمية.

إلى جانب ذلك، فرّ المنخرطون في العملية التعليمية من أساتذة وطلاب من مناطقهم بسبب الحروب الأهلية التي أتت على الأخضر واليابس، واقتصر هم الإنسان في ظلها على تأمين لقمة عيشه والمأوى الّذي يسكنه، ولم يكن هناك حديث عن التعليم إلاّ بعدما انخفضت حدّة الحروب الأهلية، فقام مثقفون صوماليون بمحاولة استعادة النظام التعليمي في البلاد وبالتنسيق مع الهيئات الإغاثية والجمعيات الخيرية المعنية بالتعليم، مما ساهم في عودة العملية التعليمية تدريجيا إلى البلاد، فافتتحت المدارس الأساسية والثانوية أول الأمر، نتيجة التضافر بين الجهود المحلية والدولية الإغاثية.

وعلى الرغم من أن هذه الجهود أحيت من جديد قطاع التعليم في الصومال وأنقذت آلاف الصوماليين من الانخراط في أعمال العنف القائمة في البلاد، إلاّ أن لها مآخذ عديدة كان يدور جوهرها حول غياب المنهج الوطني الموحد المبني على الفلسفة الصومالية، وبدلا من ذلك كانت الهيئات والجمعيات تقدّم منهجا بديلا عن المنهج الصومالي – وطبعا- يتوافق مع فلسفتها وأهدافها من العملية التعليمية، مما أنتج جيلا صوماليا مزودا بمختلف العلوم والمعارف، غير أنه شبه جاهل عن المعلومات والمعارف الخاصة ببلده الصومالي.

ومع مرور الزمن واستمرار الجهود، تمكن الصومال حكومة وولايات إقليمية ومؤسسات تعليمية -وعلى مراحل مختلفة- إحداث نقلة نوعية في العملية التعليمية حيث تم تقريبا توحيد المناهج التعليمية والقضاء على المناهج المتعدّدة مما ساهم في أن يعود لعملية التعليم في الصومال خصوصيتها على الرغم مما يشوب هذه المناهج من عيوب وانتقادات مختلفة.

في الـ 29/أغسطس الجاري/2021م، أصدر معهد هيرتيج للدراسات دراسة جديدة حول الوضع التعليمي في البلاد بعنوان: “التعليم الّذي نحتاجه: مواجهة التحديات المنهجية والتدريسية والتقييمية والإدارية”، استعرض فيها التحديات التي تواجه العملية التعليمية في الصومال وطرق مواجهتها والتغلّب عليها.

ولخصت دراسة هيرتيج التحديات التي تواجه العملية التعليمية في الصومال بنقطتين أساسيتين هما: الإقبال على التعليم وجودته، ففيما يتعلق بالإقبال على التعليم أفادت الدراسة بأن “الأطفال الصوماليين في سن المدرسة لا يحصلون على التعليم الأساسي، حيث إن 70% منهم ليس لهم القدرة على الوصول إلى التعليم مما له تداعيات أمنية إذ يمكن استهداف الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة للتجنيد من قبل الجماعات المتطرفة”، حسبما جاء في دراسة المعهد.

وبالنسبة لجودة التعليم، فقد توصلت الدراسة إلى أن الذين يذهبون بانتظام إلى المدرسة يتلقون نظاما تعليميا بجودة تعليمية رديئة لغياب مهمة تطوير المناهج ومتابعتها من قبل خبراء التربية والتعليم، خاصة أن المناهج الدراسة الحالية بحاجة إلى إعادة تشكيل نظامها التعليمي لتعالج الأمراض الاجتماعية ولتستجيب في الوقت نفسه للتحديات التنموية في القرن الحادي والعشرين.

ولكي يحدث تغيّر إيجابي في النظام التعليمي بالبلاد تحث الدراسة السلطات التعليمية الصومالية على الاهتمام بإنشاء مجلس وطني للتقييم والتقويم بإدارة متخصصين، وتقسيم واضح للسلطات والصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية بشأن إدارة العملية التعليمية.

وفيما يتعلق بالمتعلمين تدعو الدراسة إلى الابتعاد عن وصفهم بالفاشلين في حال رسوبهم بامتحانات التخرّج من مرحلة دراسية إلى أخرى أعلى منها مستوى.

يظل التعليم في الصومال مثار جدل بين الأوساط الاجتماعية والسياسية والثقافية الصومالية، بهدف السعي إلى تحقيق تعليم ذات جودة عالية مع المحافظة على هوية الشعب الصومالي ومحدّداته الثقافية، مما يعني الاستفادة من التقدّم العلمي الهائل وتوظيفه لخدمة تطوير التعليم الصومالي دون انتهاك للثوابت الثقافية والدينية للمجتمع الصومالي المسلم.

محرر الأخبار

Read Previous

إحراق مركز صحي في بارطيري .. إدانات وانتقادات

Read Next

أفغانستان: انسحاب كامل للقوات الأمريكية

Send this to a friend