يصوّت البرلمان الصومالي المكون من 329 نائبا بغرفتيه الشيوخ والشعب اليوم الأحد الرئيس الصومالي العاشر من بين 35 مرشحا، أعلنوا بشكل رسمي ترشحهم لهذا المنصب.
ويتوقع انسحاب عدد من المرشحين كما حدث في الأيام القليلة الماضية التي انسحب فيها 4 مرشحين، مما قلّص عدد المرشحين الرسميين من 39 إلى 35 مرشحا رئيسيا.
وتعدّ هذه الانتخابات الأقوى من نوعها منذ العقود الأخيرة، ليس فقط لأنه يشارك فيها 3 رؤساء سابقين، وإنما لكونها أيضا تأتي بعد فترة من النقاشات والخلافات السياسية الحادة التي وصلت إلى درجة انقسام الجيش الصومالي وحدوث اصطدام مسلح بين فرقه داخل العاصمة مقديشو، بعد محاولة التمديد التي قام بها الرئيس المنتهية ولايته عن طريق قرار برلماني غير دستوري.
وقد خاضت الصومال خلال العقدين الماضيين من مسيرة إعادة بناء دولتها 5 انتخابات رئاسية، تكون انتخابات اليوم الانتخابات الرئاسية السادسة التي تشهدها الصومال منذ 2000م!
جهود المصالحة التي أعقبت سقوط الحكومة العسكرية:
اجتمع بجمهورية جيبوتي الشقيقة خلال شهري يونيو- حزيران ويوليو-تموز/1991م، 6 من الحركات السياسية والجبهات المسلحة التي أطاحت بالحكم العسكري، واتفقت على انتخاب المرحوم علي مهدي محمد رئيسا للصومال، لكن واجه معارضة شديدة من الجنرال المرحوم محمد فارح عيديد أحد القيادات العسكرية التي قادت النضال المسلح ضدّ الحكومة العسكرية السابقة، مما كان لا بد من اصطدام مسلح بين أنصار الجنرال عيديد وأنصار الرئيس علي مهدي محمد في العاصمة مقديشو وفي معظم المناطق الجنوبية بالبلاد.
في مارس/1993م، وقّع 15 من الجبهات المسلحة المتحاربة في البلاد، اتفاقية بأديس تمهّد لمؤتمر مصالحة عامة، غير أن هذا الاتفاقية لم تعمّر طويلا بسبب استمرار الحروب الأهلية مما أدى إلى انهيار هذه الاتفاقية.
في الفترة ما بين نوفمبر 1996 _ إلى يناير 1997م، تم تكوين مجلس الإنقاذ الوطني في مدينة سودري الإثيوبية ليحضّر لمؤتمر تصالحي واسع، غير أن المهندس حسين محمد فارح الّذي ورث أباه الجنرال محمد فارح عيديد، قاطع هذا المؤتمر، إلى جانب إدارة صوماليلاند التي أعلنت انفصالها عن الصومال في الـ 18/مايو/1991م.
في ديسمبر 1997م، انعقد بمدينة القاهرة عاصمة مصر الشقيقة مؤتمرا للسلام الصومالي عرف بمؤتمر القاهرة للسلام، الّذي صدر منه “بيان القاهرة” الّذي وقع عليه 28 زعيما صوماليا من بينهم الرئيس السابق علي مهدي محمد وغريمه المهندس حسين محمد فارح عيديد، وتم في هذا المؤتمر تشكيل مجلس يتكون من 13 عضوا يضم رؤساء ورئيس وزراء وبرلمان لكنهم أخفقوا في انتخاب رئيس واحد للبلاد!
مؤتمر السلام والمصالحة الوطنية الصومالية بجيبوتي (مؤتمر عرتا):
شهدت مدينة عرتا بجيبوتي في الفترة ما بين الـ 20/أبريل _ 5/مايو/2000م، لقاءات تمهيدية للمؤتمر العام الذي كان يختلف عن المؤتمرات السابقة بأعداد الحضور ونوعيتهم، حيث شارك فيه ممثلون عن المجتمع المدني، علماء الدّين، شيوخ العشائر، وبعض رجال الأعمال.
انبثق عن بيان عرتا أول حكومة صومالية معترف بها دوليا بعد سقوط النظام العسكري وذلك بعد انتخاب البرلمان المشكل في هذه المدينة في الـ 26/أغسطس/2000م، عبدالقاسم صلاد حسن رئيسا للبلاد.
واجه عبدالقاسم صلاد حسن معارضة قوية من قبل زعماء الحرب ومن بعض دول الجوار، مما لم يدع لحكومته مجالا لتنفيذ إصلاحاتها السياسية والأمنية، وخاضت في بعض المرات حروبا مع زعماء الحرب، فكانت النتيجة استمرار العنف والانقسام داخل البيت الصومالي، مما كان لا بد من عقد مؤتمر آخر للقوى السياسية التي تكونت لاحقا، فأعلنت كينيا عن مؤتمر إيلدوريت للسلام الصومالي في أكتوبر 2002م، والّذي مر بمراحل وأماكن مختلفة حتى توّج في الـ 10/اكتوبر/2004م، بانتخاب عبدالله يوسف أحمد رئيسا للبلاد في إمبغاتي الكينية!
بدوره، لقي عبدالله يوسف أحمد معارضة سياسية من معظم زعماء الحرب في العاصمة مقديشو الّذين كانوا أعضاء في حكومته، وذلك بعدما قررت دولته اتخاذ كل من مدينتي جوهر وبيدوة مقرا انتقاليا لها، ومطالبته بقوات دولية تساعده على استتاب أمن البلاد بما فيها العاصمة مقديشو.
في فبراير/2006م، اندلعت في العاصمة مقديشو حربا مدمرة بين تحالف مكافحة الإرهاب وإعادة السلام المكوّن من قبل زعماء الحرب في مقديشو والّذين صاروا وزراء في حكومة علي محمد غيدي رئيس وزراء الصومالي آنذاك ومقاتلي اتحاد المحاكم الإسلامية بقيادة زعيمها شريف شيخ أحمد، وانتهت تلك المواجهات بدحر مقاتلي المحاكم الإسلامية لمليشيات تحالف مكافحة الإرهاب.
شكّل انتصار المحاكم تهديدا على كل من الحكومة الانتقالية الفيدرالية التي يرأسها عبدالله يوسف أحمد والنظام الإثيوبي الّذي يدعمها، فما كان من الأخير إلاّ أن أعلن إرسال الآلاف من قواته إلى الصومال استجابة لطلب الحكومة الصومالية التي أحست بالخطر الّذي يداهمها من قبل مقاتلي المحاكم الإسلامية.
وفي أواخر ديسمبر/2006م، وبعد مواجهات مسلحة دامية بين الحكومة الفيدرالية المدعومة من قبل القوات الإثيوبية، والمحاكم الإسلامية، بالقرب من مدينة بيدوة –المقر الانتقالي للحكومة- اجتاحت القوات الإثيوبية البلاد بما فيها العاصمة مقديشو، ليبدأ فصل جديد من حرب الشوارع ضدّ القوات الإثيوبية في العاصمة مقديشو وفي بعض المدن الصومالية الأخرى.
في أغسطس 2008م، انطلقت في جمهورية جيبوتي الشقيقة محادثات السلام بين الحكومة الانتقالية وتحالف إعادة تحرير الصومال، والتي انتهت بتشكيل برلمان مشترك يتكوّن من 550 عضوا، وحكومة وحدة وطنية، وانسحاب القوات الإثيوبية من البلاد.
في الـ 31/يناير/2009م، انتخب البرلمان الفيدرالي الصومالي بمدينة جيبوتي شريف شيخ أحمد رئيسا للبلاد، خلفا لعبدالله يوسف أحمد الّذي استقال عن منصبه إثر خلافات سياسية حادة بينه وبين رئيس وزرائه آنذاك نور حسن حسين (نور عدي).
في الـ 10/سبتمبر/2012م، وبعد أكثر من 40 عاما، انتخب البرلمان الصومالي المعين من قبل شيوخ العشائر، في مقديشو السيد حسن شيخ محمود رئيسا للبلاد خلفا لشريف شيخ أحمد الّذي هزم في الجولة الثالثة من السباق الرئاسي.
في الـ 8/فبراير/2017م، انتخب أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ بالبرلمان الفيدرالي العاشر الّذين تم انتخابهم بطريقة غير مباشرة، في مقديشو السيد محمد عبدالله فرماجو، رئيسا للبلاد خلفا لحسن شيخ محمود الّذي انسحب من السباق بعد الجولة الثانية ولم ينتقل إلى الجولة الثالثة رغم كونه المرشح الثاني الأكثر أصواتا في هذه المنافسة والمؤهل للانتقال إلى الجولة الثالثة.
وعلى غرار ذلك، ينتخب البرلمان الصومالي بمجلسيه الشيوخ والشعب اليوم الأحد الرئيس الصومالي العاشر، وذلك بعد تأجيل هذه الانتخابات لمدة عام وأكثر عن موعدها المحدد بسبب الخلافات السياسية التي رافقت هذه الانتخابات.
آليات انتخاب الرئيس الصومالي:
لن يصوّت الشعب في هذه الانتخابات، على الرغم من أنه كان من المفترض أن يكون كذلك، إلاّ أن تقصير الحكومة السابقة في تهيئة البيئة المناسبة لهذا النوع من الانتخابات أدّى اللجوء إلى الانتخابات غير المباشرة!
وعليه، فإن أعضاء البرلمان بمجلسيه الشيوخ والشعب، البالغ عددهم لـ 329 نائبا، هم من سيصوتون للرئيس الصومالي نيابة عن الشعب الصومالي.
يفوز بمنصب رئيس البلاد مباشرة، من يحصل في الجولة الأولى على ثلثي أعضاء البرلمان الصومالي، وإن تعذّر ذلك فسينتقل إلى الجولة الثانية المرشحون الـ 4 الأكثر صوتا في الجولة الأولى ما لم ينسحب أحدهم عن السباق، وإن أخفق أحدهم في الحصول على الأصوات التي تؤهله لتولي منصب رئيس البلاد فسيتم الانتقال إلى الجولة الثالثة للفصل بين المرشحين الأكثر صوتا في الجولة الثانية، والّذي يحصل على نسبة 50+1% من مجموع أصوات الناخبين هو الّذي يفوز بمنصب رئيس الجمهورية الصومالية الفيدرالية!