تُعرّف الموسوعة البريطانية الفن على أنه “استخدام التصور والمهارة لخلق نتاجات جمالية أو صياغة تجارب شعورية أو تهيئة مناخات تتميّز بحس جمالي”، في حين تعرفه موسوعة إينكارتا بأنه “نتاج النشاط البشري الإبداعي الذي يستخدم الوسائل المادية وغير المادية للتعبير عن الأفكار والعواطف والمشاعر الإنسانية”.
ويرى الأديب الروسي تولستوي أن مفهوم الفن لا يتعدى كونه ذلك النشاط الإنساني الإبداعي الذي يسمح بنقل تجارب الآخرين عبر لغة العواطف ومن خلال مخاطبة الوجدان الإنساني بأدوات تعكس الفكر السائد ووسائل تتناسب مع روح العصر.
أما الفن من المنظور الإسلامي فليس بالضرورة أن يكون ذلك الفن الذي يدور حول الإسلام بل هو الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود، والفن الإسلامي هو الفن الذي يعبر عن العقيدة ومن الأمور المسلم بها، حيث إن الإسلام يركز على ارتباط الفن بالأخلاق الحميدة وهو بذلك يسمو بالإنسان مشاعرا وسلوكا، مما يعني أن الفن في كل الأحوال نتاج لكل إبداع إنساني وأحد ألوان الثقافة التي تم اكتشافها أو الاستدلال عليها قبل التاريخ، ويمثل عملاً إبداعياً يعتمد على مهارة المبدع وقد يكون محصلة لفكرة فردية أو من خلال فكرة جماعية، وهو بهذا التصور عبارة عن محاولات تقوم على التعبيرعن مكنونات المبدع لتجسيد المشاعر الإنسانية، ذلك أن رسالة الفن تكمن في منحه الإنسان إحساسه المباشر بطبيعته الاجتماعية .
وخلاصة القول، يمكن القول بأن الفن هو المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية اتجاه المجتمع و البيئة وهذه المشاعر وليدة المجتمع وكامنة في الفنان ابن المجتمع، والتجربة الفنية لا تنبعث من العدم؛ إذ تسبقها في الوجود تجربة نفسية أو تجربة حسية انفعالية.
وبناء على ما تقدّم فإن الفن الحقيقي كما يراه هيغل هو الّذي يجب أن يحقق الوفاق بين الخارج والداخل، بعد تحقيقه الوفاق الذاتي مع الداخل الّذي هو الشرط الوحيد لإمكانية ظهوره في الخارج.
إن الغرض من هذه المقدّمة البسيطة هو الكشف عن مدى العلاقة بين الأعمال الفنية والمجتمعات التي تنتمي إليها، إذ إن الفن سواء كان مُوَجِّها أو مُوَجَّها له تأثير كبير في سلوكيات أفراد المجتمع وعاداته، كما هو انعكاس لواقعهم من هموم وطموحات.
إن المجتمع الصومالي كغيره من المجتمعات يولي اهتماما كبيرا بالأعمال الفنية التي تعبّر عن واقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مستخدما في ذلك كل ما توفر لديه من الأدوات الفنية للتعبير عن مشاعر الإنسان كالرسم والنحت والأدب بأنواعه المختلفة من شعر وغناء ورواية أدبية أو مسرحية تليفزيونية وما إلى ذلك.
ولقد أدّت الأوضاع الناجمة عن الحروب الأهلية التي اندلعت في الصومال عقب إسقاط النظام العسكري إلى هجرة الكثير من أبنائها إلى الخارج بمن فيهم الأدباء والفنانون ، مما تطلب منهم التكيف مع عادات المجتمعات التي آوتهم والتأقلم معها، مما أدّى إلى حدوث عملية التأثير والتأثر بسبب الاحتكاك فيما بينهم.
وقد حمل الرعيل الأول من مهاجري الفن الصومالي على عاتقه مسؤولية الحفاظ على الثقافة الصومالية وغرسها في نفوس الأجيال الناشئة على الثقافات غير الثقافة الصومالية، فأنتجوا أعمالا فنية كبيرة ساهمت بقدر كبير في ربط هذه الأجيال بعادات الآباء والأجداد الأصيلة وصرفها عن العادات والسلوكيات المنتشرة في الخارج!
ويأتي في مقدّمة هؤلاء الفنانين والأدباء الأديب الصومالي الراحل السيد سنغب الّذي أنتج العديد من الأعمال الفينة من أغاني ومسرحيات ودراما تلفزيونية تحاول تقديم صورة عن أوضاع المغتربين الصوماليين في المهجر من جانب، وتبعث إليهم من جانب آخر رسائل تحذيرية حول التعامل مع ثقافة المجتمعات الغربية التي احتضنتهم في سنوات التيه والضياع!
ويعدّ مسرحية “قبيو” أشهر أعماله الفنية إبان الحروب الأهلية التي ألفها عام 1998م، والتي كانت عبارة عن تصوير حي لمعاناة المهاجرين الصوماليين الّذين فروا من ديارهم بسبب الحروب الأهلية، حيث كان واحدا من هؤلاء المهاجرين!
ومن بين الأعمال الفنية ذات المعاني البعيدة والأهداف الرفيعة والغايات العليا أغنية “إيشا يري Iisha Yarey” التي غنّا بها الفنان الصومالي القدير شمالي أحمد شمالي، يصور فيها تصويرا بليغا ودقيقا التفكك الأسري الّذي أصاب المجتمعات الصومالية في المهجر، وكيف انفرط عقد الأمة، وارتمى البعض بدون تمحص أو نظر للعواقب في أحضان الثقافة الجديدة التي انبهر بها بعض البسطاء، فيقول شمالي أحمد شمالي في أغنيته هذه ذات الإيقاع الجميل:
“Kanada markaan tagey
Kuluyeeriga aan ka degay
Kormeera waxaan ka arkay
Gabar kuusanoow madoow
Indhaha soo kuulatey
Hadii kale waxaan lahaa
Raggow afadaan dirsaday
Adduunkeygii u huray
Awlaadeyda hooyadood
Markii aan agteeda imid
Amuur gaaray la timid
Hadii kale waxaan lahaa
Albaabka markaan tumay
Ilmihii igu soo ordeen
Umaydiin meeday iri
Indhaha aan hore u dhigay
Ayaa gaal ii asbaxay
Hadii kale waxaan lahaa
Waxaan iri:
“Iisha Yareey, naa waa maxay eeygani?”
Waxay tiri:
Hoy ogow inanku waa boyfriend
Ha eegine irida dhaaf”
في هذه القطعة الفنية الرائعة يتحدّث الفنان شمالي أحمد شمالي على لسان أحد الآباء المهاجرين الّذين أرسلوا أولادهم وأسرهم إلى الدول الغربية وخاصة إلى أمريكا وكندا، ثم لحق بهم مؤخرا غير أنه فوجئ بالتغير الثقافي الّذي طرأ على أسرته حيث اتخذت زوجته وأم أولاده صديقا من أبناء البلاد خارج إطار العلاقات الزوجية مما هو غير معروف في الثقافة الصومالية المحافظة والمستمدّة من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف. وهنا ينقل إلينا الفنان الحديث الموجع الّذي دار بين الرجل وزوجته التي اصطفت إلى جانب الرجل الغريب ضد زوجها وأبو عيالها، مما هو دليل صارخ على تفكك الأسرة وضياع الأولاد.
وهنا يوجه الفنان النداء إلى الأمة الصومالية جمعاء وإلى الآباء بصفة خاصة بعدم السفر إلى البلدان الأوروبية لما في ذلك من انسلاخ البعض من هويتهم الصومالية الأصيلة والانبهار بثقافة المجتمعات الغربية الحاضنة.
وهذا غيض من فيض حول الأعمال الفنية للعقول المهاجرة الأوائل يعبّرون فيها عن واقع المجتمعات الصومالية المغتربة ويحذرون عن الارتماء في أحضان الثقافات الأخرى.
أما في الأوقات الحالية، فعلى الرغم من وجود فنانين كبار وأعمال فنية عريقة، غير أنه من المسلّم أنه خلّف الأوائل في هذا المجال خلف أضاع البوصلة وأصبح أفراده دعاة ومروجين لثقافة المجتمعات الغربية الحاضنة عن طريق أعمالهم الفنية من مسرحيات ودراما عالية الدّقة والجودة، فارغة المحتوى والرسالة، محرفة البوصلة والهدف، تدور حول أحداث ومشاهد مسرحية لا تمت بصلة بواقع المجتمعات الصومالية لا في المهجر ولا في الموطن! إذ انحصر أداء معظم هؤلاء الفنانين الجدد حول إنتاج أعمال فنية تدور حول الغش والخديعة، والمكر والخيانة، والدسائس والمؤامرات، وتآمر الأخ على أخيه مع أطراف خارجية، وسعي الوالدة بالنميمة والوشاية بين ابنها وزوجها، وما إلى ذلك مما ليس موجود في واقع المجتمعات الصومالية في الداخل والخارج وإن وجد فعلى حالات فردية وفي نطاق زماني ومكاني محدود، مما يدعو إلى التساؤل فيما إذا كان هذا الإنتاج الفني انعكاس لواقع المجتمعات الصومالية في المهجر، أو كان ترويجا لثقافة المجتمعات الغربية الحاضنة، فإن كانت الأولى – ولا إخالها كذلك- فالمصيبة كبيرة، وإن كانت الثانية وهو المرجح عندي فالطامة أنكى وأشد، وتتطلب المواجهة القوية العاجلة.
صحيح أننا بحاجة إلى تطوير طرق الفن الصومال وأساليبه من حيث الشكل والأداء بل، ومن حيث كيفية معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات الصومالية في الداخل والخارج، ولكن دون اقتلاع لجذور الفن الصومالي الأصيل وطمس لهويته الثقافية الخالدة المتينة المستمدة من مبادئ ديننا الحنيف.